أخبار و حوادثقضايا و آراء

مقترح موريتانيا بشأن حدود الصحراء يعيد ملف الكويرة إلى واجهة النقاش

أعاد تقرير حديث للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء النقاش حول الوضع الحدودي للإقليم إلى الواجهة، بعد أن تضمن إشارة إلى مقترح موريتاني يدعو إلى تشكيل لجنة تتولى بحث وتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم، على أساس التوافق.

وتزامن ورود هذا المقترح في الوثيقة الأممية مع تداول قراءات صحفية ربطت الخطوة بإمكانية عودة موريتانيا إلى المطالبة بمنطقة الكويرة، الواقعة في الطرف الجنوبي لشبه جزيرة الرأس الأبيض، والقريبة من مدينة نواذيبو شمال البلاد. غير أن المعطيات المتاحة لا تقدم، في الوقت الراهن، ما يثبت وجود مطالبة موريتانية رسمية بالمنطقة.

ويشير التقرير الأممي رقم S/2026/781، الصادر في الأول من أكتوبر الجاري، إلى المبادرة الموريتانية المتعلقة بتوضيح الحدود، من دون أن يربطها صراحة بالكويرة أو بأي جزء محدد من أراضي الصحراء. ومن ثم، فإن الانتقال من الحديث عن مبادرة تتعلق بترسيم الحدود إلى اعتبارها إعلانًا عن مطالبة إقليمية محددة يظل، في غياب وثيقة رسمية موريتانية بهذا المعنى، قراءة سياسية تتجاوز ما تثبته الوثيقة الأممية.

بين المبادرة الحدودية والمطالبة الإقليمية

تكمن أهمية المسألة في أن أي نقاش بشأن الحدود في هذه المنطقة يرتبط بحسابات جغرافية وأمنية واقتصادية دقيقة. فالكويرة تقع بمحاذاة نواذيبو، أحد أبرز المراكز الاقتصادية والمينائية في موريتانيا، الأمر الذي يمنح وضع المنطقة أهمية خاصة بالنسبة إلى المصالح الأمنية والاستراتيجية للبلاد.

لكن أهمية المنطقة بالنسبة إلى موريتانيا لا تعني، بالضرورة، وجود مطالبة إقليمية بها. فالتمييز بين حماية المصالح الوطنية في أي تسوية مستقبلية وبين إعادة طرح مطالب إقليمية سابقة يظل أساسيًا لفهم الموقف الموريتاني.

وتزداد أهمية هذا التمييز عند استحضار الخلفية التاريخية لموقف نواكشوط من النزاع. ففي غشت 1979، وقعت موريتانيا اتفاق سلام مع جبهة البوليساريو، أعلنت بموجبه تخليها عن أي مطالب إقليمية في الصحراء، وقررت الانسحاب من الحرب.

كما أبلغت موريتانيا الأمم المتحدة، في رسالة مؤرخة في 18 غشت من العام نفسه، بتخليها عن مطالبها في الصحراء وانسحابها من الجزء الذي كانت تديره، مع إعلان تبني سياسة تقوم على “الحياد الصارم” تجاه النزاع.

وعلى هذا الأساس، فإن الإشارة الحالية إلى ضرورة توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم لا تكفي، بذاتها، للقول إن موريتانيا أعادت إحياء مطالبة إقليمية بالكويرة أو بغيرها من المناطق. فمثل هذا التحول يحتاج إلى موقف رسمي صريح يحدد طبيعة المطالبة وحدودها، ويقدم أساسًا جديدًا يمكن مقارنته بالموقف الذي أعلنته نواكشوط منذ عقود.

حساسية جغرافية تتجاوز الحسابات القانونية

لا تنفصل حساسية ملف الكويرة عن موقعها الجغرافي. فالمنطقة تقع في أقصى جنوب شبه جزيرة الرأس الأبيض، وعلى مسافة قريبة من نواذيبو، وهو ما يجعل أي تغيير محتمل في وضعها ذا صلة مباشرة بالحسابات الأمنية والاقتصادية الموريتانية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة اهتمام موريتانيا بمسألة الحدود باعتباره محاولة لضمان وضوح الإطار الجغرافي والقانوني لأي تسوية مستقبلية، بما يحمي مصالحها في محيطها الحدودي، بدل اعتباره، تلقائيًا، مؤشرًا على نية استعادة أراضٍ سبق أن أعلنت التخلي عن المطالبة بها.

سياق دبلوماسي حساس

يأتي هذا التطور في سياق دبلوماسي ما يزال يشهد تعددًا في المقاربات بشأن مستقبل الصحراء. ففي الوقت الذي يتمسك فيه المغرب بمبادرة الحكم الذاتي، تستمر الجزائر وجبهة البوليساريو في طرح مواقف ومقاربات مختلفة بشأن تسوية النزاع.

وفي مثل هذا السياق، تكتسب الصياغات المتعلقة بالحدود أهمية خاصة، لأن أي تغيير في المواقف الرسمية للدول المعنية يمكن أن تكون له انعكاسات على مسار التسوية الإقليمية برمتها.

ومع ذلك، فإن قراءة المقترح الموريتاني باعتباره خطوة تمهّد لاستعادة الكويرة تظل، في ضوء الوثائق المتاحة حاليًا، استنتاجًا سياسيًا لا يرقى إلى مستوى الموقف الرسمي المعلن.

فالوقائع الثابتة حتى الآن تقتصر على إثارة موريتانيا لمسألة توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم، بينما لا تتضمن الوثيقة الأممية المتاحة إعلانًا موريتانيًا صريحًا بالمطالبة بالكويرة.

وبالتالي، فإن الفصل بين ما ورد في الوثيقة الأممية وما استنتجته بعض القراءات السياسية منها يظل ضروريًا لفهم التطور بعيدًا عن التأويلات التي قد تسبق المواقف الرسمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة