قضايا و آراء

بوركينا فاسو وإسرائيل.. ماذا وراء العودة إلى بوابة الساحل؟

وكالات

في 26 يونيو 2026، لم يكن استقبال رئيس المجلس العسكري الانتقالي في بوركينا فاسو إبراهيم تراوري للدبلوماسي الإسرائيلي سيمون كليمان سيروسي مجرد مناسبة بروتوكولية لتسلم أوراق اعتماد سفير جديد. فالخطوة جاءت في قلب منطقة تعاد فيها صياغة التحالفات، وتتراجع فيها أدوار قوى غربية تقليدية، بينما تبحث حكومات الساحل عن شركاء جدد في الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد.

قد تبدو الصورة، للوهلة الأولى، بسيطة: بوركينا فاسو وإسرائيل تستعيدان زخم علاقاتهما الدبلوماسية. لكن خلف هذا المشهد سؤال أكبر: لماذا تفتح واغادوغو، في هذه اللحظة تحديدًا، قناة جديدة مع تل أبيب؟ وماذا تريد إسرائيل من دولة تقع في واحدة من أكثر مناطق إفريقيا اضطرابًا؟

الإجابة لا يمكن اختزالها في البيانات الرسمية التي تتحدث عن التعاون الاقتصادي والعلمي والتقني والثقافي. فالجغرافيا السياسية للساحل، والحرب المفتوحة مع الجماعات المسلحة، والتحولات التي طرأت على السياسة الخارجية لبوركينا فاسو، تجعل البعد الأمني حاضرًا في خلفية أي قراءة لمسار هذه العلاقة، حتى في غياب دليل علني يثبت اتفاقًا أمنيًا أو استخباريًا بين الطرفين.

علاقة قديمة تعود في ظرف مختلف

العلاقات بين بوركينا فاسو وإسرائيل ليست جديدة. فقد استأنف البلدان علاقاتهما الدبلوماسية عام 1994، بعد قطيعة بدأت في أعقاب حرب أكتوبر 1973. وفي عام 2021، استقبل الرئيس السابق روش مارك كريستيان كابوري سفيرًا إسرائيليًا في واغادوغو.

لكن ما تغير ليس وجود العلاقة بحد ذاته، بل البيئة السياسية التي تعود فيها إلى الواجهة.

فبوركينا فاسو تعيش منذ سنوات على وقع هجمات جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، بينما جعل تراوري من استعادة السيطرة على الأراضي ومحاربة الجماعات المسلحة محورًا رئيسيًا لسياسة حكومته.

وفي موازاة ذلك، شهدت البلاد تحولًا واضحًا في علاقاتها الخارجية، خصوصًا بعد تراجع التعاون العسكري مع فرنسا واتجاه واغادوغو نحو توثيق علاقاتها مع روسيا.

وبذلك، فإن استئناف التواصل مع إسرائيل يأتي ضمن سياسة أوسع تقوم على إعادة توزيع الشراكات، بدل الاعتماد على محور دولي واحد.

سفير واحد.. وأربع ساحات إفريقية

اختيار سيمون كليمان سيروسي لهذه المهمة يكشف بدوره طبيعة الحضور الإسرائيلي في المنطقة.

فسيروسي يقيم في أبيدجان ويشغل منصب السفير الإسرائيلي لدى ساحل العاج، مع اعتماده سفيرًا غير مقيم لدى بوركينا فاسو وبنين وتوغو. كما سبق له أن عمل نائبًا للسفير الإسرائيلي في الكاميرون، ما يجعله دبلوماسيًا يمتلك خبرة في ملفات القارة الإفريقية.

هذه الصيغة لا تعني بالضرورة وجود مشروع إسرائيلي موحد تجاه الدول الأربع، لكنها تعكس نموذجًا دبلوماسيًا يسمح لإسرائيل بإدارة علاقاتها مع عدد من دول غرب إفريقيا من مركز إقليمي واحد.

أما واغادوغو، فتقول رئاستها إن إطار التعاون مع إسرائيل يشمل الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والثقافة، وإن الاتفاق العام الذي ينظم هذه المجالات لم يدخل بعد حيز التنفيذ المؤسسي.

وهنا تظهر فجوة تستحق التوقف عندها: الخطاب الرسمي يركز على القطاعات المدنية، بينما تدفع طبيعة الأزمة البوركينابية إلى وضع الأمن في مقدمة الأسئلة حول مستقبل العلاقة.

المعطيات الرسمية المتاحة لا تثبت، حتى الآن، توقيع اتفاق أمني أو استخباري بين بوركينا فاسو وإسرائيل. كما لا توجد وثيقة منشورة يمكن الاستناد إليها للقول إن تل أبيب حصلت على دور رسمي في العمليات الأمنية البوركينابية.

وهذه نقطة جوهرية، خصوصًا مع تداول حديث عن تعاون أمني محتمل بين الجانبين.

فالقول إن هناك تعاونًا سريًا يتطلب أدلة تتجاوز المؤشرات السياسية أو طبيعة العلاقات السابقة لإسرائيل مع دول إفريقية. وما يمكن قوله استنادًا إلى المعطيات المتاحة هو أن البيئة السياسية والأمنية في بوركينا فاسو توفر مجالًا منطقيًا لبحث هذا النوع من التعاون، لكنها لا تثبت حدوثه بالفعل.

هذا التفريق مهم لأن التحليل السياسي لا ينبغي أن يحول الاحتمال إلى حقيقة، ولا أن يستبدل غياب الوثائق بتكهنات يصعب التحقق منها.

لماذا يهم الساحل إسرائيل؟

لفهم دوافع تل أبيب، يجب النظر إلى الساحل بوصفه أكثر من مجرد منطقة تعاني من عدم الاستقرار.

فالمنطقة أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى دولية وإقليمية، في ظل تنامي نشاط الجماعات المسلحة، وتراجع النفوذ الفرنسي في عدد من دولها، وصعود أدوار روسية وتركية وغيرها، فضلًا عن الاهتمام المتزايد من قوى دولية بأمن غرب إفريقيا وممراته الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، يمثل التعاون الأمني أحد المداخل التي استخدمتها إسرائيل تاريخيًا لتعزيز علاقاتها مع عدد من الدول الإفريقية، إلى جانب مجالات مثل الزراعة والمياه والصحة والتكنولوجيا.

وتشير دراسات لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أهمية البعد الأمني في العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، كما تنظر إلى منطقة الساحل باعتبارها إحدى المناطق الرئيسية التي تنشط فيها الجماعات المتطرفة.

ومن المنظور الإسرائيلي، يمكن أن توفر الخبرات المرتبطة بمكافحة الجماعات المسلحة والتكنولوجيا الأمنية والتدريب مدخلًا لبناء شراكات في منطقة ظلت فيها مساحة الحركة الإسرائيلية محدودة نسبيًا مقارنة بمناطق أخرى من القارة.

لكن ذلك لا يعني أن إسرائيل تملك تلقائيًا حلًا للأزمة الأمنية في بوركينا فاسو، ولا أن التعاون المحتمل سيؤدي بالضرورة إلى تغيير موازين القوى على الأرض. فطبيعة الصراع في الساحل تتجاوز مسألة المعدات والتدريب، وترتبط بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وجغرافية معقدة.

ماذا تريد واغادوغو؟

إذا كان لإسرائيل مصلحة في توسيع حضورها في الساحل، فإن بوركينا فاسو لديها هي الأخرى دوافعها.

السلطات في واغادوغو تواجه حربًا تستنزف الموارد وتفرض ضغوطًا متزايدة على الدولة والمجتمع. ولذلك، فإن البحث عن التكنولوجيا والخبرات والمعلومات وشبكات التعاون الدولية يمثل جزءًا من معادلة أمنية أوسع.

كما أن الانفتاح على إسرائيل يمكن أن يُقرأ ضمن سياسة تنويع الشركاء التي انتهجتها بوركينا فاسو خلال السنوات الأخيرة.

لكن هذا التقارب يضع واغادوغو أيضًا أمام معادلة دقيقة: فهي تقدم نفسها سياسيًا باعتبارها جزءًا من مسار يسعى إلى تقليص النفوذ الأجنبي وإعادة تعريف السيادة الوطنية، في حين أن توسيع التعاون مع قوة خارجية جديدة في قطاعات حساسة قد يثير بدوره أسئلة حول حدود هذا المبدأ.

ولا يعني ذلك وجود تناقض حتمي؛ فالدول قد تعيد تعريف شراكاتها الخارجية وفق مصالحها الأمنية والاقتصادية. لكن السؤال السياسي يبقى قائمًا: هل يتعلق الأمر بتنويع الشركاء، أم بإعادة إنتاج الاعتماد الخارجي بأسماء جديدة؟

إسرائيل أمام فرصة.. وبوركينا أمام اختبار

تكمن أهمية التقارب الحالي في أنه يأتي في لحظة تبحث فيها بوركينا فاسو عن صيغة جديدة لعلاقاتها الدولية، بينما تحاول إسرائيل توسيع شبكة حضورها في إفريقيا.

بالنسبة إلى تل أبيب، قد تمثل بوركينا فاسو نقطة اتصال مع فضاء الساحل، حيث تتقاطع ملفات مكافحة الإرهاب والأمن الحدودي والتكنولوجيا مع تنافس دولي متزايد على النفوذ.

أما بالنسبة إلى واغادوغو، فقد يكون التقارب وسيلة للحصول على خبرات أو تقنيات أو قنوات تعاون إضافية خارج الشركاء التقليديين.

لكن الانتقال من الدبلوماسية إلى الشراكة الفعلية سيظل هو الاختبار الحقيقي.

فحتى الآن، تشير المعطيات الرسمية إلى إطار تعاون متعدد المجالات، من دون أن تكشف عن اتفاق أمني معلن. وبالتالي، فإن المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة سيكون طبيعة الاتفاقات التي قد تُبرم، والقطاعات التي ستشملها، ومدى تحولها إلى مشاريع عملية.

ما وراء الصورة الدبلوماسية

من هنا، لا تكمن أهمية لقاء تراوري بسيروسي في صورة تسليم أوراق الاعتماد وحدها، وإنما في السياق الذي جعل هذه الصورة ممكنة ومهمة.

فالساحل لم يعد مجرد منطقة تعاني من أزمات أمنية؛ بل أصبح أحد مسارح إعادة توزيع النفوذ الدولي في إفريقيا. وبوركينا فاسو ليست مجرد دولة تبحث عن شريك جديد؛ إنها جزء من تحول سياسي أوسع يعيد النظر في علاقاتها بالقوى الخارجية.

وفي المقابل، لا تدخل إسرائيل إلى هذا المشهد بوصفها طرفًا محايدًا أو لاعبًا اقتصاديًا فقط، بل كدولة راكمت خلال العقود الماضية أدوات نفوذ تقوم، من بين أمور أخرى، على التكنولوجيا والأمن والتعاون العسكري والمدني.

لهذا، فإن عودة العلاقات بين واغادوغو وتل أبيب تستحق أن تُقرأ بوصفها بداية مسار، لا نتيجة مكتملة.

ما سيحدد دلالتها الفعلية لن يكون الخطاب الدبلوماسي، بل ما سيظهر لاحقًا من اتفاقات ومشاريع وتعاون مؤسسي. وحتى ذلك الحين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول العلاقة إلى شراكة استراتيجية في قلب الساحل، أم تظل في حدود إعادة تنشيط قنوات دبلوماسية قديمة فرضت عليها التحولات الإقليمية أن تعود إلى الواجهة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة