مالي بين التمدد المسلح وتراجع الدولة.. مؤشرات على تحول خطير في الساحل الإفريقي


شهدت مالي خلال الأيام الأخيرة هجمات واسعة ومنسقة نفذتها جماعات جهادية وانفصالية، أعادت إلى الواجهة مشاهد تشبه بدايات الانهيار السوري قبيل سقوط نظام بشار الأسد، حين بدأت الفصائل المسلحة تتحول إلى لاعب رئيسي في المشهد السياسي والعسكري.
الهجمات التي استهدفت مدنًا ومواقع استراتيجية في شمال ووسط البلاد، أظهرت مستوى غير مسبوق من التنسيق بين جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة والحركات الطوارقية، رغم التباينات الفكرية العميقة بين الطرفين. ويرى مراقبون أن الضرورات الميدانية والسياسية دفعت هذه الأطراف إلى بناء تحالفات تتجاوز الخلافات العقائدية، على غرار ما شهدته الساحة السورية خلال سنوات الحرب.
ويعتبر متابعون لملف الساحل الإفريقي أن ما يحدث لا يقتصر على تصعيد أمني مؤقت، بل يعكس محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل مالي، عبر فرض واقع جديد يقوم على تقاسم النفوذ بين الجماعات المسلحة والفاعلين المحليين، في ظل تراجع قدرة الدولة على بسط سيطرتها خارج المراكز الحضرية الكبرى.
كما تثير هذه التحولات مخاوف متزايدة من انتقال الجماعات المتشددة من مرحلة التمرد المسلح إلى مرحلة البحث عن شرعية سياسية، من خلال تقديم نفسها كقوة قادرة على إدارة المناطق وفرض الاستقرار. وهي مقاربة شبيهة بما حدث في سوريا، حيث تحولت فصائل مصنفة إرهابية لاحقًا إلى أطراف سياسية وعسكرية مؤثرة بعد سقوط النظام.
ويرى محللون أن بعض التنظيمات المسلحة في مالي بدأت بالفعل تبني خطاب أكثر براغماتية، يركز على إدارة المناطق والتحالفات المحلية بدل التشدد الأيديولوجي، في محاولة لتحسين صورتها داخليًا وخارجيًا، وفرض نفسها كطرف أساسي في أي تسوية سياسية مستقبلية.
في المقابل، يعكس التقارب المتسارع بين الجماعات الانفصالية والتنظيمات الجهادية، بحسب مراقبين، سعيًا إلى تكريس واقع جديد في شمال مالي، يمنح الانفصاليين نفوذًا إداريًا وسياسيًا، مقابل احتفاظ الجماعات المتشددة بالهيمنة الأمنية والدينية على المناطق الريفية، في مشهد يقترب تدريجيًا من النموذج السوري قبل انهيار السلطة المركزية في دمشق.
أما السلطة العسكرية في باماكو، فتواجه تحديًا متفاقمًا بعدما بنت شرعيتها منذ انقلاب 2020 على وعود استعادة الأمن والقضاء على الجماعات المسلحة، لتجد نفسها اليوم أمام موجة جديدة من التمدد المسلح، رغم الدعم الروسي وقطع العلاقات مع فرنسا والقوات الدولية.
وفي ظل هذه التطورات، يتزايد اقتناع المراقبين بأن المقاربة العسكرية وحدها لم تعد كافية، خاصة مع تصاعد الإنهاك الشعبي واتساع المخاوف من انزلاق مالي نحو مرحلة أعمق من التفكك الأمني والسياسي، قد تجعل منها بؤرة جديدة لتكرار سيناريوهات الشرق الأوسط، ولكن هذه المرة في قلب الساحل الإفريقي.




