أخبار و حوادثقضايا و آراء

أوروبا على حافة الحرب

لم يعد الخطاب السائد في العواصم الأوروبية خطاب طمأنة أو دعوة إلى التعايش والسلم، بل تحوّل بشكل لافت إلى لغة إنذار وتعبئة نفسية، توحي بأن القارة العجوز تقف على أعتاب مواجهة عسكرية كبرى مع روسيا. حربٌ لا يُراد لها أن تُعلن رسمياً، لكنها تُحضَّر في الوعي الجمعي للأوروبيين، يوماً بعد يوم، عبر تصريحات متلاحقة لقادة سياسيين وعسكريين ترسم صورة قاتمة لمستقبل الأمن الأوروبي.

اللافت أن هذا التحول لا يأتي في ذروة حرب عالمية، بل في ظل مفاوضات يفترض أنها تهدف إلى إنهاء النزاع في أوكرانيا. ومع ذلك، فإن التحذيرات من “حرب وشيكة” أصبحت شبه أسبوعية، حتى بات المواطن الأوروبي يسمع من قادته ما يشبه التهيئة النفسية لقبول فكرة الصراع، بعد عقود من بناء مشروع أوروبي تأسس أصلاً لمنع تكرار كوارث القرن العشرين.

حين يشبّه المستشار الألماني نهج موسكو في أوكرانيا بسياسة هتلر التوسعية عام 1938، وحين يخرج الأمين العام لحلف الناتو ليقول إن “الحرب على الأبواب”، فإن الأمر يتجاوز مجرد توصيف أمني، ليدخل في خانة استدعاء الذاكرة التاريخية الأكثر رعباً في الوعي الأوروبي. إنها مقارنة ثقيلة، لا تُطلق عبثاً، بل تهدف إلى إعادة تعريف روسيا بوصفها تهديداً وجودياً، وليس مجرد خصم جيوسياسي.

لكن السؤال الجوهري هو: هل تستعد أوروبا فعلاً للحرب، أم أنها تحاول تعويض فراغ استراتيجي آخذ في الاتساع؟ فالقارة التي خفّضت إنفاقها العسكري لعقود، وراكمت رفاهها الاجتماعي على حساب قوتها الدفاعية، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد: شريك أميركي أقل حماسة للدفاع عنها، ورئيس في البيت الأبيض لا يخفي قناعته بأن على أوروبا أن تدفع ثمن أمنها بنفسها.

هنا يكمن جوهر القلق الأوروبي. فالمخاوف لا تنبع فقط من روسيا، بل من احتمال أن تُترك القارة وحيدة في مواجهة أي تصعيد مستقبلي. سياسة “أميركا أولاً” لم تعد شعاراً انتخابياً، بل تحوّلت إلى معادلة استراتيجية تفرض على أوروبا إعادة النظر في اعتمادها شبه المطلق على المظلة الأميركية.

غير أن أخطر ما في هذا التحول هو محاولة إعادة عسكرة الوعي الأوروبي، في مجتمعات اعتادت السلام، وابتعدت نفسياً وثقافياً عن فكرة التضحية والحرب. فكيف يمكن إقناع شعوب لم تعش الحرب إلا في كتب التاريخ، بضرورة الاستعداد لتقديم أبنائها من جديد؟ الأرقام لا تبدو مشجعة: ثلث الأوروبيين فقط مستعدون للقتال دفاعاً عن بلدانهم، وهي نسبة تعكس فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع المجتمعي.

أوروبا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح في بناء قوة ردع حقيقية تحمي أمنها دون الانجرار إلى سباق تعبئة هستيري، أو أن تتحول التحذيرات المتكررة إلى نبوءة تحقق ذاتها، تدفع القارة نحو مواجهة لم تكتمل شروطها بعد، لا عسكرياً ولا شعبياً.

إن استدعاء شبح 1938 قد يكون مفيداً للتنبيه، لكنه يصبح خطيراً حين يتحول إلى بوصلة للسياسة. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكن تجاهله أو إسقاطه بشكل انتقائي قد يقود أوروبا إلى أخطاء لا تقل كلفة عن تلك التي أقسمت، بعد الحرب العالمية الثانية، ألا تكررها أبداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة