إيران تعود إلى الساحل الأفريقي… تقارب محسوب في زمن التحولات الكبرى


بينما تتبدل موازين النفوذ في منطقة الساحل الأفريقي، ويتراجع الحضور الغربي في فضاء ظل لسنوات مرتبطًا بشراكات أمنية وسياسية وثيقة مع أوروبا والولايات المتحدة، تتحرك طهران بهدوء لاقتناص ما تعتبره فرصة استراتيجية لإعادة التموضع داخل القارة السمراء من بوابة جديدة.
هذا التحرك لا يبدو اندفاعًا ظرفيًا، بل يعكس قراءة إيرانية لتحولات إقليمية متسارعة، تسعى من خلالها إلى بناء شبكة علاقات متعددة الأبعاد مع دول تعيد صياغة تحالفاتها وتوازناتها في ظل ضغوط أمنية ودولية متزايدة.
تحالف الضرورة ورهان الطائرات المسيّرة
شكّلت زيارة الجنرال سيليستين سيمبور، وزير الدفاع في بوركينا فاسو، إلى طهران محطة لافتة في مسار التقارب المتنامي. وخلال اللقاء، أكد الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان أن أفريقيا تمثل “أولوية استراتيجية” في السياسة الخارجية لبلاده، معلنًا استعداد طهران لتعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات.
يأتي هذا التقارب في سياق إقليمي يتسم بتصاعد التهديدات الأمنية في الساحل، وتزايد الضغوط الدولية على أنظمة الحكم هناك، ما يدفع بعض هذه الدول إلى تنويع شراكاتها العسكرية والسياسية بحثًا عن بدائل أقل ارتباطًا بالمنظومة الغربية التقليدية.
وفي هذا الإطار، تشير ورقة بحثية صادرة عن جامعة فلوريدا إلى أن إيران وسّعت حضورها في أفريقيا متجاوزة أدوات “القوة الناعمة”، عبر تعزيز التعاون الدفاعي وتقديم تجهيزات عسكرية، من بينها طائرات مسيّرة من طرازي أبابيل-3 ومهاجر-6. وقد أصبحت هذه المنظومات عنصرًا مؤثرًا في معادلات الأمن وموازين الردع داخل المنطقة.
«يورانيوم النيجر»… الملف الأكثر حساسية
غير أن البعد العسكري لا يشكل وحده جوهر هذا التقارب. ففي عمق المشهد الجيوسياسي، يبرز ملف «يورانيوم النيجر» باعتباره أحد أكثر القضايا حساسية. فقد تداولت تقارير غير مؤكدة أنباء عن محادثات غير معلنة لتزويد طهران بنحو 300 طن من “الكعكة الصفراء” مقابل عتاد عسكري متطور، من ضمنه صواريخ أرض–جو.
ورغم نفي الأطراف المعنية صحة هذه المزاعم، فإن توقيتها تزامن مع تدهور العلاقات بين نيامي والولايات المتحدة، وهو ما انتهى بإلغاء اتفاقيات التعاون الدفاعي وطرد القوات الأميركية من البلاد.
تحليلات متقاطعة ترى أن اهتمام طهران بموارد اليورانيوم في الساحل يندرج ضمن مساعيها لتأمين مواد استراتيجية حساسة وتوسيع هامش حركتها في مواجهة العقوبات الدولية، مستفيدة من انفتاح دول أفريقية تبحث بدورها عن شركاء جدد خارج الدائرة الغربية التقليدية.
شبكة مصالح تتجاوز الأمن
في المقابل، تفتح دول مثل زيمبابوي وبوركينا فاسو الباب أمام شركات إيرانية للاستثمار في قطاعات التعدين والذهب، ضمن أطر تعاون توصف بأنها تنموية أو إنسانية. ويعكس هذا التوجه مسعى متبادلًا لبناء شبكة مصالح اقتصادية وأمنية أكثر تنوعًا وأقل ارتهانًا للغرب.
رهانات مفتوحة على توازنات معقدة
تعكس التحركات الإيرانية في الساحل محاولة لاستثمار لحظة إقليمية فارقة، يتقاطع فيها تراجع نفوذ تقليدي مع سعي دول المنطقة إلى إعادة صياغة خياراتها الاستراتيجية. وبين رهانات الأمن وسباق الموارد الطبيعية، تسعى طهران إلى تثبيت موطئ قدم داخل ساحة تنافس دولي متسارع.
غير أن مستقبل هذا المسار سيظل مرهونًا بتوازنات محلية وإقليمية دقيقة، وبقدرة الأطراف المعنية على تحويل التقارب السياسي إلى شراكات مستدامة على الأرض، في منطقة لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.



