اليمن.. «البركان النائم» الذي حذّر منه حسنين هيكل يعود إلى الواجهة ويهدد بتوسيع رقعة الصراع الإقليمي

لم تعد التحذيرات التي أطلقها الصحفي والمفكر المصري الراحل محمد حسنين هيكل بشأن اليمن مجرد قراءة سياسية مرتبطة بمرحلتها الزمنية، بل باتت تستحضر أبعاداً جديدة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، وتداخل الصراعات المحلية مع المواجهة الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.

فاليمن الذي وصفه هيكل، وفق العبارة المتداولة عنه، بأنه «بركان نائم» قد يؤدي انفجاره إلى اجتياح تداعياته للمنطقة، يقف اليوم أمام مرحلة بالغة الحساسية، تتجاوز فيها المواجهات حدود الصراع الداخلي لتلامس توازنات الأمن الإقليمي، وحسابات القوى الدولية، ومستقبل الملاحة البحرية في واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.
وتعزز التطورات الميدانية الأخيرة وجاهة استحضار هذه القراءة؛ إذ حذرت الأمم المتحدة، في أكتوبر الجاري، من عودة اليمن إلى حرب واسعة النطاق، بالتزامن مع تصاعد المواجهات بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين، واتساع رقعة العمليات العسكرية في مناطق متعددة، بما فيها محيط مضيق باب المندب. كما شهدت مدينة عدن، في 15 أكتوبر، هجوماً استهدف مجمع قصر المعاشيق، مقر الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وأسفر عن مقتل حارسين، وفق ما أوردته وكالتا رويترز وأسوشيتد برس.
باب المندب.. من جغرافيا العبور إلى ورقة ضغط استراتيجية
لا تنبع الأهمية الاستراتيجية لليمن من أزمته السياسية والعسكرية وحدها، بل من موقعه الجغرافي المشرف على مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل بوابة أساسية لحركة التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا.
وفي ظل الاضطرابات التي طالت الملاحة في المنطقة، تزداد حساسية هذا الممر باعتباره جزءاً من منظومة مترابطة للأمن البحري والطاقة والتجارة العالمية. ولذلك، فإن اتساع المواجهات على السواحل اليمنية لا يمثل مجرد تطور عسكري محلي، بل يحمل تداعيات محتملة على تكاليف النقل والتأمين، وسلاسل الإمداد، وحسابات القوى الدولية المعنية بحرية الملاحة.
وتزداد خطورة هذه المعادلة عندما يتحول الموقع الجغرافي إلى أداة ضغط في الصراعات الإقليمية، إذ يصبح التحكم في الممرات البحرية أو تهديد أمنها عاملاً مؤثراً في حسابات الردع والتفاوض، بما يمنح الأطراف المنخرطة في النزاع قدرة على التأثير خارج حدودها المباشرة.
إيران والولايات المتحدة.. حين تتقاطع المواجهة مع الساحة اليمنية
في السياق ذاته، تكتسب التطورات اليمنية أهمية إضافية بالنظر إلى ارتباط جماعة الحوثيين بإيران، وإلى المواجهة الأوسع بين طهران وواشنطن. فكلما اتسعت دائرة التوتر بين الطرفين، ازدادت احتمالات انعكاسه على ساحات إقليمية أخرى، سواء عبر تصعيد العمليات العسكرية أو توسيع نطاق الضغوط المرتبطة بالملاحة البحرية والمصالح الاقتصادية.
غير أن التعامل مع اليمن باعتباره مجرد امتداد للمواجهة الإيرانية الأمريكية من شأنه أن يتجاهل تعقيدات الأزمة الداخلية، وتعدد القوى الفاعلة، وتباين حساباتها السياسية والعسكرية. فالصراع اليمني يمتلك دينامياته الخاصة، التي تداخلت فيها الانقسامات الداخلية مع التدخلات الخارجية، الأمر الذي يجعل احتواءه أكثر تعقيداً من مجرد التوصل إلى تفاهم بين القوى الدولية والإقليمية.
ومن هذا المنظور، لا تكمن المخاطر في احتمال انتقال المواجهة إلى اليمن فحسب، بل أيضاً في أن يؤدي التصعيد إلى إعادة تشكيل شبكة التحالفات والضغوط في البحر الأحمر وخليج عدن والخليج العربي، بما يوسع نطاق الأزمة ويزيد من صعوبة الفصل بين مساراتها المختلفة.
تحذير هيكل.. قراءة في منطق الأزمات المتراكمة
تتجاوز الدلالة السياسية لتحذير هيكل فكرة الانفجار المفاجئ، لتلامس منطق الأزمات التي تتراكم عناصرها على مدى سنوات، قبل أن تجد في لحظة إقليمية مضطربة الظروف الملائمة للاتساع والتأثير في محيطها.
فاليمن يجمع بين هشاشة مؤسسات الدولة، واستمرار الانقسام السياسي والعسكري، والتنافس على النفوذ، والأهمية الجيوسياسية للممرات البحرية. ويجعل اجتماع هذه العوامل أي تصعيد واسع النطاق قابلاً لإنتاج تداعيات تتجاوز حسابات الأطراف المحلية، خصوصاً إذا تزامن مع مواجهة إقليمية مفتوحة أو تعثر المسارات الدبلوماسية.
لكن هذا السيناريو ليس قدراً محتوماً؛ إذ تظل طبيعة التطورات مرتبطة بحسابات الأطراف المعنية، وقدرتها على احتواء التصعيد، ومدى استعداد القوى الإقليمية والدولية لتجنب تحويل اليمن إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات.
من أزمة يمنية إلى اختبار للأمن الإقليمي
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بمآلات الصراع على السلطة داخل اليمن، بل بقدرة المنطقة على منع تحوله إلى أزمة متعددة الجبهات، تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع أمن الممرات البحرية واستقرار الأسواق الدولية.
وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة سياسية لا تختزل الأزمة في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وإنما تعالج جذورها اليمنية، وتضع استعادة مؤسسات الدولة، وخفض التصعيد، وحماية المدنيين، وتأمين الملاحة الدولية ضمن مسار متكامل.
وهكذا، يعود تحذير حسنين هيكل إلى الواجهة بوصفه مدخلاً لفهم خطورة التفاعلات الجيوسياسية في المنطقة، لا باعتباره نبوءة حتمية. فحين تتراكم الأزمات الداخلية فوق خطوط التماس الإقليمية، يصبح اليمن أكثر من مجرد ساحة صراع؛ إذ يغدو اختباراً لقدرة القوى المعنية على احتواء التوتر قبل أن تتحول تداعياته إلى أزمة تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية وتطال استقرار الشرق الأوسط بأكمله.




