قضايا و آراء

إلى أين تتجه الحرب ببن إسرائيل وأمريكا وإيران؟


بقلم: عبد الهادي مزراري


أسالت الحرب التي أعلنتها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران في 28 فبراير الماضي، الكثير من المداد عبر العالم في تقارير إعلامية وأمنية وسياسية وإقتصادية، وبات السؤال الأكثر إثارة للاهتمام، ليس متى تنتهي الحرب؟ وإنما بأي نتائج ستنتهي؟
قبل البحث عن جواب على هذا السؤال، لا بد من توضيح بعض الأمور، فالحرب التي تدور رحاها الآن لا تشبه أي حرب في السابق. وللأسف يتفاعل معها قسم من الرأي العام كما لو كانت مبارة في كرة القدم، كل جهة تدعم فريقا معينا. وتفعل ذلك بسذاجة قاتلة، بينما الأمر يتطلب النظر بحذر شديد في الأحداث وحيتياتها وأبعادها وعواقبها.
لدينا ثلاثة مفاتيح رئيسية لفهم ما يجري، ويمكن وضع اليد عليها بطرح الأسئلة التالية:

  • من هي الجهة التي أرادت هذه الحرب، وفي هذا التوقيت بالذات؟
  • ما هي الأهداف التي تم وضعها لهذه الحرب؟
  • ما هي الأمور الخارجة عن نطاق التوقعات في هذه الحرب؟ حرب نتنياهو أم حرب ترامب أم كلاهما معا؟

بالنسبة للجهة التي تقف وراء اندلاع الحرب، من البديهي أن نقول هي الجهة التي أطلقت النار أولا، ونتحدث عن إسرائيل والولايات المتحدة. لكن هناك ما يجب تفصيله في هذه النقطة بالذات، من الطرف الذي أراد الحرب؟ ولماذا؟ هل إسرائيل أم الولايات المتحدة؟ أم كلاهما معا؟
بناء على تسلسل الأحداث، ظل الرئيس دونالد ترامب يفضل خيار السلام على خيار الحرب، حتى أنه قال “إنه مستعد للقاء المرشد الإيراني علي خامنائي إذا كان يرغب في ذلك”.
بالنسبة للرئيس ترامب استعمل منذ عودته للبيت الأبيض لوحة قيادة واضحة بمؤشرات اقتصادية من أجل أهداف اقتصادية، فهو يريد استعادة مجد أمريكا الذي قضم أطرافه العملاق الصيني. ولهذا فالحروب ليست هويته، وإن كان يتفاخر بالقوة العسكرية فهو يريد استخدامها من أجل الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية تتعلق بالسيطرة على منابع النفط ومواطن المعادن الاستراتيجية وأسواق جديدة للصناعات الأمريكية التي باتت خارج المعادلة الاقتصادية الدولية.
بخلاف ذلك بدا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أمس الحاجة للحرب ضد إيران، وذلك لثلاث أسباب رئيسية:

  • السبب الأول شخصي، فنتنياهو بحاحة للاستمرار في الحرب حتى يفلت من الآلة السياسية في إسرائيل، التي أعدت له محاكمة تتوعده بالسجن.
  • السبب الثاني وجودي بالنسبة لدولة إسرائيل، فبعد حرب ال 12 يوما في يونيو الماضي، تبين للإسرائليين أن الخطر الإيراني لا يكمن فقط في سعي طهران لامتلاك سلاح نووي، وإنما في البرنامج الصاروخي الإيراني الذي استباح سماء الدولة العبرية وضرب عمقها الاستراتيجي وأوشك على نسف الجبهة الداخلية فيها.
  • السبب الثالث تراجع التأييد في الغرب لإسرائيل، فخلال حربها على غزة دمرت إسرائيل صورتها مع تدمير كل متر مربع في القطاع، كاشفة حقيقتها للعالم. فتبدلت الصورة النمطية من “الدولة الضحية” إلى “الكيان الجلاد”.
    وبحساب العقل الإسرائيلي، إذا استمرت المعاداة ضد الدولة العبرية في الغرب فإنها لن تجد في المستقبل أي حليف يدعهما ضد البلدان “الهمحية” في المنطقة، خصوصا وأن الساسة الإسرائليون متشبثون بمشروع إسرائيل الكبرى.
    لهذه الأسباب كلها حسم الإسرائيليون في هذا التوقيت بالذات موقفهم بضرورة جر الولايات المتحدة إلى الحرب ضد إيران، وكلهم إيمان بأنه إذا لم يفعلها ترامب فلن يوجد في المستقبل من يفعلها بعده، خصوصا مع تعالي أصوات أمريكيين ينددون بمحاباة إسرائيل ودعهما بلا حسيب ولا رقيب.
    في إسرائيل يقولون “إن آخر رئيس داعم لنا في البيت الابيض هو دونالد ترامب”.
    في أمريكا يقولون “دونالد ترامب دخل في حرب ضد إيران واختفت ملفات إبستاين”. الأهداف الجنونية للحرب

مع انطلاق جولة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، طار بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، والتقى الرئيس ترامب في 11 فبراير 2026، وحدد له ثلاث شروط رئيسية لقبول اي تفاق مع إيران، وهي:

  • التزام إيران بعدم امتلاك السلاح الذري والتخلي نهائيا عن برنامجها النووي.
  • إخضاع البرنامج الصاروخي الإيراني للمراقبة، و عدم السماح لطهران بامتلاك صواريخ بفوق مداها 200 كلم.
  • تفكيك أدرع إيران في المنطقة ويتعلق الأمر بحزب الله في لبنان، والحوثيبن في اليمن، والحشد الشعبي في العراق.
    قبل عودته من واشنطن كان نتياهو يدرك أنه ترك خلفه شروطا مستحيلة فوق الطاولة في البيت الابيض. وكان يعلم مسبقا أنه سلح الرئيس ترامب بمواقف لن يقبلها الجانب الإيراني، وبالتالي فالمفاوضات الأمريكية الإيرانية سينتهي بها المطاف أمام الباب المسدود.
    بموازاة مع ذلك فعلت إسرائيل خيار التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة إلى المستوى الأعلى. وجعلت الجانب الأمريكي يفكر بأن مجرد ضربة خاطفة في مقتل النظام الإيراني ستحدث الفارق وتحقق الهدف.
    تملك إسرائيل قوة استخباراتية هائلة على الأرض في إيران بفضل جواسيس وعملاء، يعملون بكفاءة عالية في المجالين السياسي والأمني، وحققوا نتائج جيدة في مناسبات كثيرة انتهت بقتل قيادات فلسطينية وإيرانية وإحداث انتفاضات شعبية.
    بناء على ذلك، جعل نتنياهو الرئيس ترامب يعتقد أن عملية “قطع رأس الأفعى” ستكون نهاية النظام الإيراني.
    عمل الجانبان الإسرائيلي والأمريكي على أن تحدث الضربة الأولى صدمة قوية في إيران بنتائج سياسية تتمثل في قتل رأس النظام، ونتائج عسكرية تتجلى في تدمير شامل للبرنامجين النووي والصاروخي.
    لم يخف الجانبان الإسرائيلي والأمريكي هدفهما من الحرب بتغيير النظام في إيران بالقوة، وأعلن ترامب صراحة أنه سيشارك في عملية اختيار الحاكم الجديد في طهران بعد قتل المرشد الأعلى ومعه كوكبة من القادة الإيرانيبن. طور مريب خارج نطاق التوقعات

حتى كتابة هذه السطور مر أسبوعان على اندلاع الحرب، وإلى جانب صور الدمار في إيران (نتيجة القصف الإسرائيلي الأمريكي المتواصل على مدار الساعة)، توجد صور موازية في إسرائيل والمنطقة (نتيجة القصف الإيراني المتواصل على مدار الساعة).
مع مرور كل يوم يتأكد أن الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، ليست حربا خاطفة، وأمدها يطول وبنك الأهداف آخد في التوسع على اريع مستويات:

  • على المستوى السياسي:
    إيرانيا، أدى قتل المرشد الأعلى للثورة البالغ من العمر 88 عاما إلى تنصيب ابنه مكانه البالغ من العمر 58 عاما، مع تراجع موجة الاحتجاجات المناهضة للنظام، مقابل التفاف الاتباع حول المرشد الجديد.
    إقليميا، أجج مقتل المرشد الأعلى نار الثأر لدى اتباع الطائفة الشيعية في المنطقة، ما دفع أدرع النظام الإيراني تعود إلى الخدمة بقوة في العراق ولبنان واليمن.
  • على المستوى العسكري:
    أدى القصف الإيراني بالصواريخ والمسيرات على مدى أسبوعين على أهداف حيوية في إسرائيل، إضافة إلى استهداف القواعد العسكرية الامريكية في ثماني دول على التوالي (6 دول خليجية زائد الاردن والعراق)، إلى التشكيك في النتائج العسكرية المعلنة من قبل الجيشين الإسرائيلي والأمريكي.
  • على المستوى الاقتصادي:
    كما كان متوقعا ارتفع سعر برميل النفط (تجاوز سقف 117 دولار للبرلميل)، وتأثرت سلسلة الامدادات بالطاقة، وأعلنت دول في الخيلج توقفها عن الانتاج والتصدير بسبب عنصر القوة القاهرة، فضلا عن تعطل الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.
    لن تنجو دولة من الآثار الاقتصادية للحرب، اكبر الخاسرين البلدان التي تعتمد على بترول وغاز المنطقة (الاتحاد الاوروبي). بينما ستعزز آثارها العلاقة بين العملاقين الروسي والصيني، وهو أمر ليس في صالح الولايات المتحدة أبدا خاصة اذا خضعت الهند إلى لغة أنابيب النفط الروسية. البحث عن الحل المدمر

تشكل هذه المستجدات منعطفا خطيرا بالنسبة للأطراف المشتبكة في الحرب، وبينما يبدو الجانب الإسرائيلي مصمما على مواصلتها حتى تحييد الخطر الإيراني، يظهر أن الجانب الأمريكي اكتشف متأخرا أنه ذهب إلى حرب بدون خطة للخروج. أما الجانب الإيراني فإنه يتصرف بمنطق “خيار شمشون”، حيث لم يبق له ما سبخسره.
تريد إسرائيل توسيع رقعة الحرب بضم دول الخليج إلى صفها، وتحاول استثمار الضربات الإيرانية في عمق هذه الدول لحشرها في القتال، لكن حتى هذه الساعة يظهر ان القادة الخليجيون مسلحون بخيار “راقب وانتظر،. وهو أمر يعمق شعور إسرائيل بالاحباط.
بالنسبة للولايات المتحدة، يعاني البيت الابيض من ضغط قوي سواء من قبل الرأي العام الامريكي الرافض للحرب أو من قبل كوكبة من المعلرضين الشرسين للرئيس ترامب، الذي بات يرى بأن نتنياهو أخذه في رحلة بعيدا عن مجلس السلام العالمي.
أما بالنسبة لإيران فهي بصدد إعادة بناء تصورها للحرب، وتراهن على تحمل الضربات من جهة، وتسديد ضربات قوية بالمقابل ولأطول فترة ممكنة، فهي في قلب معركة كسر العظم.
تبدو فرص إيقاف الحرب ضئيلة ومحفوفة بخطر استعمال إسرائيل للسلاح النووي من أجل حسم نتيجة الحرب، فهي لن تقبل بوجود إيران بقوتها العسكرية ونظامها المعادي. لكن اللجوء لضربة نووية ستكون له عواقب وخيمة على الجميع.
يبقى السؤال هل من عاقل يوقف هذه الحرب قبل ان تصير وبالا على البشرية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة