قضايا و آراء

البحث عن المنتصر الغائب في الحرب الإسرائيلية والأمريكية الإيرانية


بقلم عبد الهادي مزراري
بمجرد اندلاع الحرب بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة ثانية، انقسمت الساحة المغربية بين داعم لطهران ومؤيد لواشنطن وتل أبيب. وهو أصعب انقسام يمكن تفسيره بمواقف ثابتة أو مبادئ محددة.

إن الذين يدعمون إيران يستمدون شعورهم من الانتماء الديني كمسلمين بصفة عامة، أو بسبب التعاطف المذهبي كشيعة بصفة خاصة (لم أكن أتوقع بأن بين ظهرانينا في المغرب أشخاص لهم ولاء للفكر الشيعي). وهم في كل الأحوال يساندون إيران لأنهم يعتبرونها تتعرض للظلم، خاصة من قبل إسرائيل، التي لا تتوفر على أي ذكرى طيبة مع الدول العربية والإسلامية، منذ قيامها عام 1948 فوق أرض فلسطين.

أما الذين يناهضون إيران ويساندون في الوقت نفسه الولايات المتحدة الأمريكية ومعها إسرائيل، فإنهم يفعلون ذلك لشعورهم بأن النظام الإيراني منذ قيامه عام 1979، لم يتوقف عن الإساءة للمغرب، ومحاولة زعزعة الاستقرار فيه بواسطة التغلغل الشيعي (تصدير الثورة)، أو من خلال الاصطفاف مع خصوم وحدته الترابية، ودعم جبهة البوليساريو عن طريق الوكيل حزب الله اللبناني والنظام الجزائري.

ويرى هذا الفريق من المغاربة أن نظام طهران ليس لديه ما يحمد به، بينما الولايات المتحدة، وخاصة على عهد الرئيس دونالد ترامب، فعلت الكثير من أجل المغرب ووحدته الترابية، منذ الإعلان التاريخي في 10 دجنبر 2020 عن الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء.

ويرى هذا الفريق من المغاربة أيضا في موقف إسرائيل الداعم للوحدة الترابية للمغرب، سببا وجيها من أجل دعمها في مواجهة إيران مع إبداء مزيد من التحسر والأسف على مواقف دول وحكومات تشترك معها في أواصر كثيرة ويفترض فيها أن تكون في صفك وليس ضدك.

بعد هذه التوطئة، وبعيدا عن التأثيرات، التي يمليها الشعور بالانتماء لهذا الفريق أو ذلك، ومن أجل تحليل سليم لما جرى في صباح يوم السبت 28 فبراير 2026. أقدم لكم هذه القراءة بكل موضوعية، قد تساعد في فهم ما جري ويجري، وقد تكون مفيدة لكل الأطراف من أحل تفادي ما هو أسوأ وأخطر.

في البداية يعتبر الهجوم الذي شنته إسرائيل مدعومة بالولايات المتحدة ضد إيران يوم السبت الماضي، وأدى إلى مقتل الزعيم الإيراني علي خمينائي ومعه صفوة من القادة السياسيين والعسكريين، هو تتمة لحرب بدأت ولم تكتمل.

كلنا نذكر حرب ال12 يوما في يونيو الماضي، التي اندلعت بسبب هجوم إسرائيلي على إيران، كسرت به تل أبيب خطة التفاوض التي بدأتها الولايات المتحدة مع إيران.

كانت حربا ستدمر إسرائيل عن آخرها، لو لا تدخل الولايات المتحدة التي انقذت الموقف بحركة مدروسة ومتفق بشأنها مع إيران، أنهت الحرب بتبادل لكمات في الهواء دون إصابات حقيقية لا في الجانب الأمريكي (قصف القاعدة الأمريكية في قطر) ولا في الجانب الإيراني (الضربات الأمريكية كانت بيضاء ولم تدمر المفاعلات النووية الإيرانية).

في الواقع لم تكن نهاية حرب، ولا حتى وقفا لإطلاق النار، كان الأمر أشبه بمصارعين توقفا لالتقاط الأنفاس.

بالنسبة لإسرائيل شعرت بأنها في أحلك فترة منذ نشأتها، وتبين لها أن إيران التي طالما استفادت من وجودها في شكل بعبع قض مضاجع خصومها العرب لعقود طويلة، وكانت أعظم إنجازاتها مشاركتها في إسقاط نظام صدام حسين في العراق واحتلاله وتدميره. صارت فعلا هذه الايران عدوا خطيرا قادرا على تدمير إسرائيل.

لم يتوقف بنيامين نتنياهو، الذي لم تمنعه حرب الإبادة في غزة، ولا الحرب في لبنان، ولا هجمات الحوثيين، عن التفكير في استئناف الحرب مع إيران.

مدفوعا بسقور الجناح الديني المتشدد في إسرائيل، يصيح نتنياهو “لا صوت يعلو على طبول الحرب”، وكأن التوراة تكتب بأدي بني إسرائيل من جديد “نكون أو لا نكون”.

لم تكن المسألة هي هل ستستأنف إسرائيل الهجوم على إيران أم لا؟ وإنما المشكلة هي من سيخوض إلى جانب إسرائيل هذه الحرب؟

طبعا ليس هناك قوة قادرة على فعل ذلك أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية. وربما لسوء حظ إسرائيل أو لحسن حظها تشهد الولايات المتحدة تغييرا شاملا في كل مناحي سياساتها تحت شعار “أمريكا أولا”، فالقوة الأولى صارت مهددة في مركزها العالمي، بسبب تعاظم دور الصين وطغيان روسيا، وأصبحت في حاجة ماسة لتغيير سلوكها ونمط عيشها.

بنى الرئيس ترامب خطته من أجل استعادة الدور الأمركي على استراتيجية السلام، التي تقوم على استخدام القوة من أجل التفاوض، وليس من أجل الحرب. ضربات خاطفة هنا وهناك، وتهديد برسوم جمروكية، والتخلي عن شركاء مزعجين، أمور أثبتت جذواها وأعادت للسياسة الخارجية الأمريكية بريقها.

لكن هذه الخطة لا تناسب إسرائيل التي بدأت تعاني من المعاداة في الأوساط الغربية من أوروبا مرورا بكندا وصولا إلى الولايات المتحدة، بسبب ما فعلته في غزة طوال عامين ونصف من القتل والتدمير والحصار.

شعرت إسرائيل بأن آخر فرصها الذهبية قد تضيع من بين أيديها، كما كتب أحد المحللين السياسيين الإسرائليين “قد يكون الرئيس ترامب آخر رئيس أمريكي يدعم إسرائيل في البيت الأبيض”.

فكر الرئيس ترامب ألف مرة ومرة في تجنب الحرب مع إيران، مفضلا خيار التفاوض، لأنه ومعه ثلة من العسكريين الاستراتيجيبن يدركون أن الصين وروسيا وكوريا الشمالية تنتظر بفارغ الصبر دخول الولايات المتحدة مستنقع الخليج.

يرى قسم من المعارضين الأمريكيين لإعلان بلادهم الحرب على إيران أن رئيسهم ترامب نقض عهده القاضي بعدم حشر أمريكا في حروب لا تعنيها، ويتهمونه بأنه غير شعار “أمريكا أولا بشعار إسرائيل أولا”. ويتهمونه بأنه دخل في الحرب مع إيران للهروب من مشنقة إبستاين التي قيل إن إسمه ذكر بشكل متكرر في الوثائق التي تم الإفراج عنها.

عمل ترامب ما في وسعه لإقناع نتنياهو بأنه من الممكن الحصول على نتائج مرضية بالتفاوض وليس بالحرب. لكن إسرائيل هي بحاجة ماسة لنتائج واضحة وليس فقط مرضية، حددها نتنياهو خلال زيارته الاخيرة إلى واشنطن في 11 فبراير الماضي، في ثلاث أهداف وهي: منع إيران من التكنولوجيا النووية، ومنعها من امتلاك صواريخ يصل مداها إلى إسرائبل، وتقويض سياستها عن استخدام الوكلاء المنطقة.

خلال جولات التفاوض بين مسقط وجنيف لم ينتزع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أي من هذه المطالب من الجانب الإيراني، خاصة بعد إصرار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على استبعاد ملف الصولريخ من التفاوض بشكل نهائي. مع اعترافه بتوفر إيران على كمية كافية من الاورانيوم المخصب قادرة على انتاج قنابل نووية.

بموازاة مع جولات التفاوض كانت خطة الهجوم في آخر مراحل تنزيلها، وكانت محبكة بجهود مشتركة بين جهازي الاستخبارات في كل من إسرائيل والولايات المتحدة. وتقضي الخطة “بقطع رأس الأفعى، وترك بقية الجثة للقوارض تنهشها حتى النهاية”.

بينما مسار المفاوضات ماض بشكل عادي، ظهر مؤشر على شاشة “المراقب” يخبر ب”دخول الطائر إلى القفص”، عندها تحركت إسرائيل بسرعة مدعومة بالقوات الجوية والاستخباراتية الأمريكية ونفذت عمليتها التي ستضع نقطة في نهاية سطر وتقلب الصفحة في الملف الإيراني إلى الأبد “إما قاتل أو مقتول”.

تقضي خطة الحرب، بعد قطع رأس الأفعى بثورة الشعب الإيراني المقموع ضد النظام الفاسد، وتحدث اضطرابات، وتصطدم قوات النظام بالجماهير، ويجري ارتباك في صفوف النظام بعد مقتل الزعيم، وتحت وطأة الضربات الجوية والعمليات الداخلية ينهار النظام وتبدأ مرحلة جديدة، شبيهة الى حد ما بما حدث في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين. أو ما جرى في ليبيا بعد مقتل معمر القذافي.

تم التخطيط لذلك في سياق تطابق مواقف دول الجوار من العدو الإيراني وشعور كل الدول بالرغبة في التخلص منه ومن طغيانه، في عمليات عسكرية أقصاها أسبوعين أو ثلاثة.

لكن التخطيط شيء والواقع أحيانا شيء آخر، بمجرد مقتل علي خمينائي، كانت خطة طهران جاهزة، وكأن خمنائي أو أحد ما في دائرته رتب لموته بهذه الطريقة، وهو البالغ من العمر 88 عاما، وبدل أن يموت على سرير المرض كأي شخص هرم قضى نحبه “مستشهدا”.

كان خمينائي دقائق قبل مقتله مجرد كهل سئم منه الجميع، وربما حتى المقربين منه، وكان رمزا للطغيان في عيون الإيرانيين الذين عانوا من بطش نظامه. ولكن بمجرد مقتله بهذه الطريقة، جعل ملايين الإيرانيين يخرجون لرثائه، وخلفهم ملايين الشيعة في العالم متوشحين السواد.

جعلت عملية 28 فبراير من مقتل خمينائي وقودا في أيديولوجية الدولة الإيرانية المتهالكة، ومع انتقال القيادة إلى جهات قد تظل خفية لوقت طويل، أو تظهر بأسماء خاصة فقط بالواجهة، وبالتازمن مع حرب مستعرة ضد إسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة، كل ذلك يجعل النظام الإيراني يجدد نفسه كما يفعل الثعبان عندما ينسلخ من جلده القديم ويتحرك من جديد باتجاه هدفه.

الضربات الصاروخية على إسرائيل، والهجوم على القواعد الأمريكية في المنطقة، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز، وتحرك الوكلاء في اليمن ولبنان والعراق، يجعل إسرائيل تفكر في فتح قائمة جديدة للدول المتطوعة للمشاركة في الحرب، حيث إن أمريكا وحدها لا تكفي، لا بد من استدعاء دول من الناتو، ولم لا دول عربية أخرى من المنطقة فهذه الدول مطيعة وأليفة. عندئذ تتسع رقعة الحرب، ما يجعلها بعيدة عن تحقيق الأهداف التي حددها نتنياهو، الذي لم يجلب للإسرائليين إلا الويلات.

أما بالنسبة لأمريكا التي اجتهد رئيسها في وضع أسس مجلس عالمي للسلام، فهي في كل يوم يمضي في هذه الحرب تغرق أكثر فأكثر في مستنقع الحرب في الخليج، وتغرق كما يروق للصين وروسيا وأعداء آخرون ينتظرون بفارغ الصبر ليكونوا هم المنتصرون في حرب ستهلك كل الأطراف المشتبكة فيها أو القريبة منها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة