أخبار و حوادثقضايا و آراء

ظهور غير مسبوق لولي العهد المغربي… لحظة رمزية تعيد تشكيل صورة الملكية

رأت صحيفة ذا تايمز البريطانية أن الظهور العلني الأخير لولي العهد المغربي الأمير مولاي الحسن، خلال حفل افتتاح كأس إفريقيا للأمم بالرباط، شكّل حدثاً استثنائياً في تاريخ الأسرة العلوية، التي لم يسبق، على مدى 360 عاماً، أن ارتبط اسمها بمشهد كروي مباشر على أرضية الملعب.

ووفق الصحيفة، دخل الأمير، البالغ من العمر 22 عاماً، إلى الملعب لأداء ضربة البداية تحت أمطار غزيرة، في مشهد تابعته جماهير فاقت 60 ألف متفرج، إلى جانب ملايين المشاهدين عبر شاشات التلفزيون في مختلف أنحاء القارة الإفريقية. واعتبرت أن هذه اللحظة منحت المغاربة صورة نادرة ومباشرة لملكهم المستقبلي، خارج القوالب البروتوكولية المعتادة.

وأضافت الصحيفة أن ولي العهد كسر تقاليد البلاط عندما رفض حمل مظلة المطر وصرف مرافقه الأمني، قبل أن يجوب أركان الملعب الأربعة وسط تصفيق حار، ويلمس الكرة بحذاء أسود لامع، في مشهد رمزي فُسّر على أنه خروج محسوب من ظل والده الملك محمد السادس. ولفتت إلى أن لهذا الظهور وقعاً عاطفياً خاصاً في بلد اعتاد مسافة واضحة بين المؤسسة الملكية والفضاء العام.

ظهور محسوب في لحظة انتقالية

ورأت ذا تايمز أن هذا الحضور العلني قُرئ داخلياً بوصفه إشارة إلى صعود الدور العمومي لولي العهد في سياق دقيق، يتزامن مع تزايد غيابات الملك عن الأنشطة الرسمية، ومع واقع ديمغرافي يطغى عليه الشباب الباحث عن الإصلاح والتجديد. ونقلت عن دبلوماسي غربي قوله إن “الظهور الواثق لهذا الشاب، بصحة جيدة وبأسلوب مختلف عن والده، يبعث رسالة واضحة عن تحول جيلي قادم”، مضيفاً أن “حتى الأمطار، بعد سنوات من الجفاف، بدت كأنها فأل حسن”.

وفي السياق ذاته، نقلت الصحيفة عن الباحث في العلوم السياسية عمر بروكسي قوله إن الأمير “قدّم نفسه لأول مرة كملك قادم، في لحظة تشبه أجواء نهاية عهد”، مشيراً إلى أن صورته ظلت، إلى وقت قريب، محصورة في المشاهد الرسمية ذات الطابع البروتوكولي الصارم.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا البروز يتم بدقة من طرف مؤسسة “المخزن”، التي تضم القصر والأجهزة الأمنية وكبار المسؤولين، والتي تحرص تقليدياً على إبقاء ورثة العرش بعيدين عن الأضواء لتفادي نشوء ما يشبه “بلاطاً موازياً”. ونقلت عن المستشار السياسي زيد بلقاضي أن “الظهور العمومي المدروس لولي العهد ينسجم مع تقاليد مؤسسة راسخة”، معتبراً أن “لمسته الشخصية قد تفتح المجال لإعادة تعريف هادئة لدوره المستقبلي”.

أنظار الغرب ومسار أكاديمي لافت

وأكدت الصحيفة أن الأنظار تتجه إلى اليوم الذي سيعتلي فيه الأمير العرش باسم الحسن الثالث، بصفته الملك السادس عشر لسلالة تحظى بمكانة استراتيجية لدى العواصم الغربية. وذكّرت بأن المغرب يُنظر إليه كنموذج للاستقرار والإسلام المعتدل، وشريك استخباراتي رئيسي في مكافحة الإرهاب، وحليف استراتيجي للولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، إضافة إلى كونه شريكاً تجارياً أساسياً لأوروبا وبوابة اقتصادية لإفريقيا.

وتوقفت ذا تايمز عند المسار الأكاديمي للأمير، مشيرة إلى أنه حاصل على إجازة في العلاقات الدولية ويتابع دراسته في سلك الدكتوراه، وأن زملاءه في جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية يصفونه بأنه “يندمج بشكل طبيعي” داخل الحرم الجامعي. ونقلت عن أحدهم قوله إن الأمير يتمتع بـ“كاريزما وحضور قوي”، وكان متفوقاً أكاديمياً.

وأضافت الصحيفة أن ولي العهد يتقن عدة لغات، من بينها العربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية، وأن اهتماماته تشمل الجيوسياسة والموسيقى والرياضة، مع ميل إلى كرة السلة والفروسية، إضافة إلى متابعته لموسيقى الراب المغربي.

العائلة، الانتقال المرتقب، والتحديات الاجتماعية

وتطرقت الصحيفة إلى العلاقة القوية التي تجمع الأمير بوالدته الأميرة للا سلمى، مشيرة إلى أن إعادة بروزها بهدوء تزامنت مع صعود نجم ابنها، وسط توقعات بأن يكون لها تأثير في عهده المستقبلي. كما رجّحت أن يتم انتقال السلطة بسلاسة، مع احتمال إدخال تغييرات على محيط البلاط، على غرار ما فعله الملك محمد السادس عند اعتلائه العرش سنة 1999.

وفي ختام تقريرها، توقفت ذا تايمز عند التحديات الاجتماعية التي تواجه المغرب، وعلى رأسها الفقر والاحتجاجات الشبابية، مشيرة إلى أن الغضب الشعبي يُوجَّه أساساً نحو الحكومة، بينما تظل المؤسسة الملكية بمنأى عن الانتقاد، وتحظى باحترام واسع.

وخلصت الصحيفة إلى أن حياة الأمير مولاي الحسن ظلت محاطة بالصمت منذ ولادته داخل القصر الملكي عام 2003، لكنه اليوم، في نظر شريحة واسعة من الشباب المغربي، يُقدَّم كرمز لجيلهم، وكعنوان لمرحلة انتقالية يُنظر إليها باعتبارها “مستقبلاً آمناً” للبلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة