أخبار و حوادث

قضية الصحراء المغربية: من منطق الحل إلى منطق إدارة النتائج

لا يعكس الحديث المتزايد اليوم عن موائد مستديرة أو مسارات تفاوضية محتملة عودة نزاع الصحراء إلى نقطة الصفر، بقدر ما يكشف عن دخول المنطقة مرحلة انتقالية أعمق في بنية النظام الإقليمي لشمال إفريقيا. فالقضية، في صيغتها الراهنة، لم تعد جوهر الصراع بحد ذاته، بل غدت مرآة تعكس اختلالات بنيوية أوسع، من بينها أزمة القيادة الإقليمية، وتآكل الخطابات الأيديولوجية التقليدية، وصعود منطق الدولة المرتكز على مفاهيم الأمن والاستقرار والوظيفية السياسية.

في هذا السياق المتحوّل، لم يعد السؤال المركزي يتمحور حول “كيفية حل النزاع”، بل بات ينصب على “كيفية إدارة الاعتراف التدريجي بنتائجه”. فقد نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في نقل ملف الصحراء من خانة الشرعية التاريخية، التي طالما استند إليها في الدفاع عن سيادته، إلى خانة الشرعية العملية القائمة على إنتاج الاستقرار وتقديم نموذج قابل للاستدامة. في المقابل، تجد الأطراف الأخرى نفسها أمام واقع دولي جديد لم يعد يكافئ الشعارات السياسية أو الخطابات الثورية، بقدر ما يكافئ القدرة على الضبط، والاندماج، والقيام بوظيفة إقليمية واضحة.

ولا تبدو المقاربة الأمريكية، ومعها مقاربات القوى الكبرى، معنية بالبحث عن حلول مثالية أو تسويات نهائية بالمعنى الكلاسيكي، بقدر ما تسعى إلى بلورة ترتيبات تقلل منسوب المخاطر في فضاء جيوسياسي هش يمتد من حوض المتوسط إلى منطقة الساحل الإفريقي. ومن هذا المنظور، يجري إعادة ترتيب الأدوار الإقليمية: تُدفع بعض الأطراف نحو الهامش، ويُعاد تعريف أطراف أخرى بوصفها ضامنة للتوازن والاستقرار، فيما يُترك المجال مفتوحًا أمام “خروج آمن” لمن يختار مراجعة مواقفه والانخراط في منطق الواقع.

إن مستقبل قضية الصحراء المغربية لن يُحسم عبر جلسة تفاوض واحدة أو بيان ختامي، بل من خلال تراكم قرارات عملية تعيد تشكيل ميزان القوى بهدوء ومن دون صدامات مباشرة. وما يبدو اليوم في ظاهره حوارًا دبلوماسيًا، هو في جوهره تفاوض غير معلن حول شكل الإقليم وموازين النفوذ في العقود المقبلة، حيث تُغلق ملفات الماضي تدريجيًا، ويُفرض منطق الدولة على منطق الحركة، ومنطق الاستقرار على منطق الصراع، ومنطق الحليف الموثوق على منطق الحركات الانفصالية غير المحسوبة النتائج.

وفي هذا الإطار، فإن الحديث عن مائدة مستديرة في الولايات المتحدة تجمع المغرب وجبهة البوليساريو حول قضية الصحراء، يتجاوز الشكل الدبلوماسي التقليدي ليلامس عمق التحولات الجيوسياسية التي تحكم هذا الملف. فالسؤال الجوهري لم يعد: هل ستُعقد المائدة؟ بل: ما الذي تبقى أصلًا للتفاوض عليه في نزاع أعادت الولايات المتحدة تعريف حدوده وسقفه ومشهده الختامي؟

لقد خرجت قضية الصحراء المغربية، منذ سنوات، من منطق النزاعات المفتوحة القابلة لإعادة الصياغة، ودخلت مرحلة “الإدارة السياسية للنتائج”، وفق رؤية براغماتية للعلاقات الدولية، تجلت بوضوح خلال المرحلة التي دشنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث لم يعد الملف يُقرأ في إطار صراعات الحرب الباردة أو منطق الحروب بالوكالة، بل ضمن حسابات الاستقرار، والتحالفات، وإعادة تشكيل المجال الإقليمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة