الإعفاء لا يكفي: الإصلاح يبدأ حين تُفعّل المساءلة


بقلم :محمد الحبيب هويدي
لم يعد كافيًا أن يُعلن عن إعفاء مسؤول أو مدير من مهامه ليُقال إن الدولة تسير في طريق الإصلاح أو تحارب الفساد. فالإعفاء، مهما كانت مبرراته السياسية أو التسييرية، يظل إجراءً إداريًا محدود الأثر، ما لم يُقرن بمحاسبة قانونية شفافة تفتح الباب أمام كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة.
في الواقع، الشرعية الدستورية التي يقوم عليها النظام السياسي المغربي لا تكتمل دون تفعيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، الذي أقره الفصل الأول من دستور 2011 كمبدأ مؤسس للحكامة الديمقراطية. فهذا الربط ليس مجرد شعار يؤثث الخطب الرسمية، بل هو التزام دستوري ومطلب شعبي وشرط ضروري لأي مشروع إصلاحي جاد.
إن الاقتصار على إعفاءات إدارية دون تفعيل آليات التفتيش، والافتحاص المالي، والتحقيق القضائي، لا يعدو أن يكون محاولة لاحتواء الغضب الشعبي أو تمرير رسائل سياسية ظرفية، دون معالجة جوهرية للاختلالات. بل إن هذا النهج يعزز انعدام الثقة في المؤسسات، ويغذي الإحساس بالإفلات من العقاب، ويُضعف مصداقية الدولة أمام مواطنيها.
فالفساد وسوء التدبير لا يُعالجان بمجرد تغيير الأسماء والوجوه، بل بإحداث قطيعة حقيقية مع منطق “الإعفاء كعقوبة سياسية غير معلنة”، واستبداله بمنظومة مساءلة متكاملة، تتدخل فيها الهيئات الرقابية والقضائية وفق ما يكفله القانون. وفي هذا السياق، نُذكر بأهمية الدور الموكول إلى:
المجلس الأعلى للحسابات، باعتباره مؤسسة دستورية مكلفة بمراقبة حسن استعمال المال العام، وتحديد أوجه القصور في التدبير الإداري والمالي، وإصدار تقارير موضوعية تستند عليها القرارات التأديبية أو القضائية.
النيابة العامة، التي يقع على عاتقها تحريك المتابعات كلما تعلق الأمر بشبهات اختلاس أو تبديد للمال العام، استنادًا إلى ما ينص عليه القانون الجنائي المغربي من مقتضيات زجرية في هذا الباب.
الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، التي يفترض أن تلعب دورًا محوريًا في الكشف عن مواطن الخلل البنيوي في المنظومة الإدارية، واقتراح توصيات لتعزيز الشفافية والنزاهة.
لكن حتى هذه الآليات، على أهميتها، لن تكون فعالة إلا إذا توفر الإرادة السياسية الصادقة لتفعيلها دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير، ودون تحويل المساءلة إلى أداة لتصفية الحسابات أو الانتقامات السياسية. فالمحاسبة، في نهاية المطاف، ليست عملاً انتقاميًا، بل مسارًا تصحيحيًا يعيد الاعتبار لمبدأ سيادة القانون، ويضمن استمرارية المرفق العام على أساس الكفاءة والنزاهة.
من هنا، لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي دون تحول في الثقافة السياسية والإدارية من منطق “التبرير والتبرئة” إلى منطق “التحقيق والمحاسبة”. فالمواطن المغربي اليوم أكثر وعيًا من أي وقت مضى، ولم يعد يقبل بالتفسيرات الجاهزة ولا بالقرارات المفاجئة غير المؤطرة قانونيًا. إن الثقة لا تُبنى بالتصريحات، بل بالأفعال الملموسة والإجراءات الشفافة.
وفي هذا السياق، يُطرح أيضًا دور الإعلام، الذي غالبًا ما يواكب قرارات الإعفاء بشكل عاجل، لكنه لا يذهب أبعد من الخبر العابر. إن مسؤولية الصحافة لا تقتصر على نقل البلاغات الرسمية، بل تتجاوزها إلى التحري والمتابعة والتحليل، بما يُسائل السياسات العمومية ويربط الخبر بالسياق والنتائج. فالإعلام المهني هو شريك في بناء ثقافة المحاسبة، لا مجرد ناقل لها.
إن الإعفاء الإداري لا يُمكن أن يكون نهاية المطاف، بل يجب أن يكون نقطة انطلاق لمسار محاسبة مؤسساتي حقيقي، يقطع مع ثقافة الإفلات من المسؤولية، ويُجسد مبدأ “لا مسؤولية بدون محاسبة” على أرض الواقع، لا في نصوص الدستور فقط. فبهذا وحده نستطيع بناء دولة قوية، عادلة، تُعلي من قيمة القانون، وتحترم ذكاء مواطنيها، وتستحق ثقتهم.




