أخبار و حوادث

شيء ما …. في البلاد.

قبل أيام قليلة وخلال اجتماع مع أحد الأصدقاء في مدينة الرباط هاجمني بقوله “إنك صحافي تخليت عن مهمتك”، واتهمني الرجل الذي أعرفه منذ أكثر من 15 سنة، وهو مسؤول كبير في أحد أجهزة الدولة، بالتراجع عن الدفاع عن الوطن ضد الهجمة الشرسة التي يقودها الإعلام في الفضاء الأزرق وتستهدف أمن البلاد واستقرارها. وقال غاضبا “لقد كسرتم الأقلام وسمحتم لكل من دب وهب في نشر التفاهات دون أن تحركوا ساكنا”.
طبعا هذا الشخص لامني كثيرا لأنه ضمن الذين يلقبونني بـ “كاتب القصر”، وعهدوا في كتاباتي الصحفية القديمة وفي المؤلفات التي أصدرها دفاعي المستميت عن المؤسسة الملكية وسائر مؤسسات الدولة، حتى أن أحدهم قال لي ذات مرة “ألا يزعجك كونك صحافي اخترت أن تتخندق خلف متارس الجهة الرسمية؟”، وهو يعرف أشد المعرفة أنني فعلت ذلك عن اقتناع، وأني فخور بالعمل في مؤسسة إعلامية مقربة من الجهات الرسمية. وإنني أعتبر ذلك مبدأ ومسارا وقدرا.
من جهة أخرى، قبل أيام، اتصلت بي زميلة من قبيلة الصحافيين مستغربة ما أسمته “النفس الطويل لدي في تلميع الديبلوماسية المغربية في قضية الصحراء المغربية”. وشعرت من حديثها أنها تريد أن تقول لي بأن هناك قضايا مهمة أخرى تتطلب المعالجة وتؤرق المواطنين المغاربة أكثر من ملف الصحراء.
فكرت ونجمت وبصرت كثيرا قبل أن أرد على تهمة صديقي بالتقصير في الدفاع عن الوطن ضد ما يتعرض له من تشويه وتسفيه، والرد أيضا على قول الصحافية التي تتهمني بالمغالاة في حب الصحراء.
في خضم الكم الهائل من الهرج والمرج الذي يملأ المشهد الإعلامي من صحف ومواقع إلكترونية وإذاعات وقنوات ومواقع التواصل الاجتماعي، لا يمكن للمرء أن يكون صحافيا وقد تحول كل مواطن من أي زاوية وفي أي مدينة وأي قرية إلى مصدر للخبر والتعليق والتحليل والتطبيل والتزمير والسب والقدف والتشهير.
في خضم الفوضى لا يمكن لك أن تمارس دورك كما يجب. ولم أتخلى عن دوري في إظهار الحقيقة كما هي، أو الدفاع عنها كما أومن بها، قد أكون مخطئا أو أكون صائبا، والأهم أن تعقد لسانك وتقعد قلمك عن الكتابة خير من أن تجعله رشاشا يطلق الرصاص العشوائي في كل الاتجاهات.
قلت بعفوية لذلك الشخص “لا يمكن لك أن ترقص رقصة التانغو على نغمة الجاز”، وقد كثر العازفون في مختلف أنحاء البلاد، كل يعزف على وتر لإثارة أكبر قدر من الانتباه والشغب. حتى تحول الجمهور إلى ممثل وتحول الممثل إلى متفرج.
في البلاد شيء مقلق أن تقترن الصحافة بالدعارة والعمالة والكيد، في المرحلة السابقة وعلى علة الرقابة التي كانت تفرضها وزارة الدولة في الداخلية على الإعلام، كان الصحافي يتمتع بدور مؤثر، وعلمت من وزراء وولاة وعمال ومسؤولين في الدولة كانوا يتحسسون رقابهم إذا نشرت إحدى الصحف عنهم خبرا أو تقريرا ينتقدهم، حتى لو كانت الصحيفة ضمن ما يعتبر وقتها صحافة الرصيف.
في وقتنا الراهن، لم يعد للصحافي دور أو تأثير كبير، وذلك بسبب عوامل مستجدة وطارئة منها، هجمة الإعلام الشعبي التي يشنها المواطنون بأنفسهم من منصات مواقع التواصل الاجتماعي. إضافة إلى عدم اكتراث المسؤول بما تنشره الصحافة عن أفعاله وأقواله، لأننا لم نربط بعد المسؤولية بالمحاسبة كما يجب. من جهة أخرى تحول صحافيون ومنابر صحافية إلى مليشيات مسلحة للقنص والاسترزاق.
إن ضعف الأداء الصحفي مرتبط بالخلل الذي يشمل المنظومة السياسية والثقافية والفنية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.
صحيح أن المغرب خلال العقدين الماضيين حقق طفرة كبيرة في مجالات متنوعة، لكن إلى جانب ذلك نمت نماذج سيئة أعاقت عملية النمو وأعطبتها وشوهتها وفي حالات كثيرة أخرجتها عن مسارها وتسببت في هدر أموال طائلة.
أطلق المغرب مشاريع جبارة وإصلاحات تقاس بالمسافات الضوئية في محيطه القاري والإقليمي، مثل مدونة الأسرة، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والبرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم، ونظام المساعدة الطبية، ومخطط الإصلاح القضائي، ومشروع الجهوية المتقدمة، ومخطط المغرب الأخضر، ورؤية 2020 للقطاع السياحي، ومخطط الإقلاع الصناعي، والمخطط التنموي للأقاليم الجنوبية، والتعديل الدستوري غير المسبوق عربيا وإفريقيا، فضلا عن مشاريع استراتيجية غطت التراب المغربي من طنجة إلى الداخلة ومن وجدة إلى الجديدة، وأوراش أخرى تجاوزت الحدود الوطنية إلى دول في غرب وشرق وجنوب إفريقيا.
في زحمة هذه المشاريع تتعالى الأصوات المنددة بأوضاع الصحة والتعليم والنقل والقضاء والسكن والأمن، كأننا لم نفعل شيئا، وإذا بملك البلاد يقول صراحة في خطاب العرش في يوليوز الماضي “إذا كان ما أنجزه المغرب وما تحقق للمغاربة، على مدى عقدين من الزمن يبعث على الارتياح والاعتزاز، فإنني في نفس الوقت، أحس أن شيئا ما ينقصنا، في المجال الاجتماعي”.
في كل الأحوال هناك جزء مملوء من الكأس وجزء فارغ منها، ولا يجب بأي حال من الأحوال أن يحجب أحد الجزأين رؤيتنا الثاقبة عن الجزء الآخر. وإذا كان من جزء فارغ فسببه في تقديري هو غياب الحزم في تطبيق القانون.
أشعر بأن قسما كبيرا من المغاربة لم يحسنوا التصرف بالحرية التي نالوها خلال العقدين الماضيين، سواء كانوا مواطنين أو مسؤولين. في عهد الراحل الحسن الثاني رحمه الله سأله صحافي من دولة غربية وقال له “لماذا يا جلالة الملك وزراؤك لا يتكلمون؟” أجابه الحسن الثاني “ربما لأنهم يخشون الوقوع في أخطاء لغوية”.
في أيامنا هاته، سئل أحد الوزراء التابعين للحزب الذي يرأس الحكومة، خلال حملة المقاطعة الشعبية لبعض المواد الاستهلاكية، وقال بلهجة الدارجة “أنا وزير وماشي مواطن ديال الزنقة”.
وزير آخر أراد أن يعصر الحامض في عيون الحزب الذي يشاركه في الحكومة نفسها، وعوض أن يتعالى عن التفاهات ويحترم التوافق الحكومي صوب تسديدته تجاه حزب العدالة والتنمية في المغرب، لكنه أصاب حزب العدالة والتنمية في تركيا وكال السب لرئيسه، ولو لا الألطاف الإلهية لتسبب في أزمة ديبلوماسية مع بلد صديق، على المثل الدارج المغربي القديم “عما بن عما نيش على شجرة في البستان وجابها في تلمسان”.
أمثلة كثيرة عن حالات التسيب والشعور بالإفلات من العقاب، جعلت المغاربة مسؤولين ومواطنين يتعاملون بازدراء مع القوانين والحقوق والمسؤوليات.
لقد أنشأنا ما يفوق الطلب من مؤسسات، ومجالس عليا، وحقائب وزارية، ومندوبيات سامية، وأحزاب سياسية، وجمعيات ونقابات. لكن بدل أن تعمل كل جهة في إطار اختصاصها وبتنسيق محكم مع الجهات الأخرى، تحولت إلى قلاع محصنة للموالين وأخذت تشن الحرب على بعضها البعض وكسرت مئات الجرات وأضاعت اللبن الذي كان من المفروض أن يملأ الجزء الفارغ من الكأس.
ما ينقصنا هو ضبط المشهد من جديد، وبلغة المغاربة لا بد من مسك العصا من الوسط، وحبس كل طرف في حدود مسؤوليته. وهو فن الممكن في حالة المغرب الذي حقق الكثير من الإنجازات التي لا يجب تعريضها للخطر.
إن ما ينطبق على المشهد السياسي والإعلامي ينطبق على باقي المجالات الأخرى، لا بد من تطهير المكان من الخارجين عن القانون. بقلم: عبد الهادي مزراري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة