قضايا و آراء

القمة الروسية الإفريقية الثالثة.. موسكو تعيد تموضعها في قارة تتغير فيها موازين النفوذ والتحالفات

يرى مراقبون أن القمة الروسية الإفريقية الثالثة، المنعقدة يومي 28 و29 أكتوبر، شكلت محطة جديدة في مسار إعادة صياغة الاستراتيجية الروسية تجاه القارة الإفريقية، في سياق دولي يتسم بتراجع بعض مراكز النفوذ التقليدية، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى على الموارد والأسواق والشراكات السياسية والأمنية.

وخلف خطاب الصداقة والتضامن التاريخي والدعوة إلى بناء عالم متعدد الأقطاب، برزت ملامح مقاربة روسية تسعى إلى تحويل الإرث السوفييتي في إفريقيا إلى رصيد دبلوماسي واقتصادي واستراتيجي يخدم المصالح الروسية الراهنة.

وقد جمعت القمة وفودا من 48 دولة إفريقية، بينها 22 دولة ممثلة برؤسائها، مقابل 17 رئيسا خلال قمة سان بطرسبورغ عام 2023، وهو ما يعكس، وفق مراقبين، استمرار اهتمام عدد من العواصم الإفريقية بتنويع شراكاتها الدولية، في ظل التحولات التي تشهدها بنية النظام العالمي.

واستثمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حساسية الذاكرة الاستعمارية الإفريقية، مستحضرا الدور السوفييتي في دعم حركات التحرر الوطني، ومقدما موسكو باعتبارها شريكا لا يحمل الإرث الاستعماري الأوروبي ذاته. كما أكد تنامي الوزن الإفريقي في الاقتصاد والسياسة العالميين، منتقدا محاولات عرقلة نشوء نظام دولي متعدد الأقطاب.

وفي هذا السياق، اتهم بوتين قوى غربية بمحاولة إعادة الدول الإفريقية إلى ما وصفه بـ«عبودية الديون»، مقابل تعهدات روسية بنقل التكنولوجيا والمعرفة، وتوطين الإنتاج، وتعزيز التعاون الاقتصادي بما يتجاوز نمط العلاقات التقليدية القائمة على تصدير المواد الخام.

غير أن استحضار الإرث التاريخي لا ينفصل عن الحسابات الجيوسياسية الراهنة؛ إذ لم تعد موسكو تسعى إلى استعادة النفوذ الأيديولوجي الذي طبع مرحلة الحرب الباردة، بقدر ما تعمل على بناء شبكة متعددة المستويات من الشراكات السياسية والاقتصادية والأمنية، تمنحها هامشا أوسع للمناورة داخل القارة وفي المؤسسات الدولية.

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية في ظل التحولات التي تعرفها منطقة الساحل، حيث شهد النفوذ الفرنسي العسكري والسياسي تراجعا خلال السنوات الأخيرة، ما أتاح المجال أمام قوى دولية أخرى، وفي مقدمتها روسيا، لتوسيع حضورها في بيئة إقليمية تتجه نحو إعادة ترتيب علاقاتها الخارجية.

وبذلك، تبدو القمة الروسية الإفريقية الثالثة جزءا من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع النفوذ الدولي في إفريقيا، تقوم على توظيف الذاكرة التاريخية، وتقديم بدائل للشراكات التقليدية، واستثمار التحولات السياسية والأمنية التي تعرفها القارة. غير أن قدرة موسكو على تحويل هذا الحضور الدبلوماسي إلى شراكات اقتصادية وتنموية مستدامة ستظل رهينة بمدى قدرتها على ترجمة التعهدات إلى نتائج ملموسة تتجاوز الخطاب السياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة