صحة و رياضة

ست ساعات في مستعجلات كلميم.. بين ضغط المرضى وأسئلة التنظيم وجودة التكفل

لأكثر من ست ساعات، تابع طاقم الجريدة عن قرب أجواء العمل داخل قسم المستعجلات بالمستشفى الاستشفائي الجهوي بكلميم، خلال مواكبته لحالة أحد المرضى. لم تكن الساعات الست مجرد انتظار لتلقي العلاج، بل أتاحت معاينة تفاصيل يومية تكشف حجم الضغط الذي يواجهه هذا المرفق، وتطرح في الوقت نفسه أسئلة حول تنظيم الاستقبال، وتدبير حركة المرافقين، وتوفر بعض الفحوصات، وظروف اشتغال الطواقم الصحية.

منذ الساعات الأولى للتواجد داخل القسم، كان واضحاً أن حركة المرضى ومرافقيهم لا تهدأ. غير أن الاكتظاظ لم يكن مرتبطاً فقط بعدد الحالات التي تصل إلى المستعجلات، إذ لوحظ في أكثر من مناسبة دخول عدد من المرافقين مع المريض إلى قسم المستعجلات، بما يتجاوز في بعض الحالات العدد الذي يمكن أن يسمح بالحفاظ على انسيابية الحركة داخل القسم.

هذا الوضع يضع الطواقم الطبية والتمريضية أمام تحد إضافي، في فضاء يفترض أن تكون فيه الأولوية لسرعة التدخل، وانسيابية التنقل، والحفاظ على الهدوء الضروري للتعامل مع الحالات الصحية المختلفة.

ساعتان في انتظار التحاليل

من بين الوقائع التي تمت معاينتها خلال فترة التواجد بالقسم، حالة مريض انتظر، وفق ما تمت ملاحظته ميدانياً، نحو ساعتين لإجراء تحاليل طبية.

وقد لا تعكس حالة واحدة بالضرورة طريقة اشتغال المنظومة برمتها، غير أن مدة الانتظار تفتح نقاشاً مشروعاً حول المراحل التي تمر منها بعض الحالات داخل المستعجلات، خصوصاً عندما يكون التشخيص مرتبطاً بنتائج فحوصات يفترض أن تساعد الطبيب على اتخاذ القرار المناسب.

وهنا يبرز سؤال أساسي: هل يرتبط التأخير بضغط مؤقت على المرفق، أم بنقص في بعض الموارد أو الخدمات، أم بطريقة تنظيم مسار المرضى داخل القسم؟ وهي أسئلة لا يمكن الحسم فيها من خلال المعاينة الميدانية وحدها، وتحتاج إلى توضيحات رسمية من إدارة المؤسسة والجهات الصحية المختصة.

من يدخل إلى المستعجلات؟

من بين أكثر المشاهد تكراراً خلال فترة المعاينة، حضور أكثر من مرافق إلى جانب المريض. وفي بعض الحالات، كان عدد المرافقين داخل فضاء المستعجلات مرتفعاً بما يكفي لزيادة الضغط على فضاء محدود أصلاً.

هذه الظاهرة لا ترتبط بالمرضى وحدهم، بل بثقافة مرافقة المريض التي تجعل أفراد الأسرة أو المحيط الاجتماعي حريصين على البقاء بالقرب منه. غير أن المستعجلات، بحكم طبيعتها، تحتاج إلى ضوابط واضحة تحدد عدد المرافقين وتضمن في الوقت نفسه احترام خصوصية المرضى وسلامة الطواقم وانسيابية العمل.

ومن هنا تبرز أهمية التواصل الواضح مع المرتفقين، بدل ترك تنظيم الولوج إلى القسم رهيناً بالظروف اللحظية لكل حالة.

أطفال داخل فضاء يفترض أن يسوده الهدوء

كما سجل طاقم الجريدة حضور أطفال داخل محيط المستعجلات، من بينهم طفل صغير تمت معاينته وهو يلعب بالقرب من إحدى نوافذ القسم.

وقد يبدو المشهد عابراً، لكنه يعكس جانباً من طبيعة العلاقة بين فضاء المستعجلات والمرتفقين. فوجود الأطفال والمرافقين لفترات طويلة داخل القسم قد يزيد من مستوى الحركة والضوضاء، في وقت يحتاج فيه المرضى، خصوصاً في الحالات الحرجة أو المتعبة، إلى أكبر قدر ممكن من الهدوء.

ويطرح ذلك بدوره سؤالاً حول مدى توفر فضاءات مناسبة لاستقبال المرافقين، بما يخفف الضغط عن فضاء العلاج نفسه.

تحاليل وخدمات.. أين تبدأ رحلة المريض وأين تنتهي؟

من الملاحظات الأخرى التي برزت خلال فترة التواجد بالمستعجلات، محدودية توفر بعض الفحوصات أو عدم إنجازها بالوتيرة التي يتوقعها المرتفقون، وفق الحالات التي تمت معاينتها.

وفي بعض الوضعيات، قد يؤدي عدم توفر خدمة تشخيصية في الوقت المناسب إلى البحث عن بدائل خارج المؤسسة، بما في ذلك اللجوء إلى مختبرات خاصة، وهو ما يمكن أن يضيف تكلفة ووقتاً إلى رحلة العلاج.

لكن تقييم حجم هذه الإشكالية ومدى تكرارها يحتاج إلى معطيات رسمية: عدد الفحوصات التي تُجرى يومياً، متوسط آجال إنجازها، الحالات التي تحال إلى خارج المؤسسة، والأسباب المرتبطة بذلك.

فالأرقام، في هذه الحالة، كفيلة بتحويل الانطباعات الميدانية إلى معطيات قابلة للقياس والمساءلة.

ضغط العمل وظروف المداومة

المستعجلات ليست مرفقاً عادياً؛ فهي تعمل على مدار الساعة وتستقبل حالات تختلف في درجة خطورتها، من إصابات وحالات مرضية بسيطة إلى وضعيات تتطلب تدخلاً فورياً.

ولهذا تبرز مسألة الموارد البشرية كأحد الملفات الأساسية التي تستحق النقاش، خصوصاً ما يتعلق بعدد الأطباء والممرضين خلال فترات المداومة، وتوزيع ساعات العمل، وآليات تعويض فترات الراحة، ومدى تناسب عدد العاملين مع حجم الحالات الوافدة.

ولا يمكن إصدار حكم على أداء الطاقم من خلال ساعات محدودة من المعاينة، كما أن ضغط العمل قد يفسر جانباً من الصعوبات التي يواجهها المرتفقون. لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى نشر معطيات واضحة حول الموارد البشرية وحجم النشاط الذي يستقبله القسم.

الهاتف داخل قاعة العلاج.. ملاحظة تحتاج إلى تفسير

خلال فترة المعاينة، لوحظ انشغال بعض العاملين بالهواتف في فترات معينة. غير أن مجرد استخدام الهاتف لا يسمح، من الناحية المهنية، بالاستنتاج بشأن طبيعة الاستخدام أو تأثيره على التكفل بالمرضى.

فقد يكون الاستخدام مرتبطاً بالتواصل المهني أو الاطلاع على معلومات أو لأسباب شخصية، ولذلك فإن تحويل هذه الملاحظة إلى اتهام يحتاج إلى أدلة إضافية.

السؤال الأكثر دقة هو: هل توجد ضوابط واضحة لاستخدام الهواتف أثناء العمل داخل قسم المستعجلات؟ وهل تراقب الإدارة الالتزام بها؟ وهل سبق أن سجلت شكايات مرتبطة بهذا الموضوع؟

وهي أسئلة يمكن للجهة المسؤولة أن تجيب عنها بشكل مباشر.

المساحات الخضراء.. تفصيل خارج غرفة العلاج لكنه ليس هامشياً

المعاينة لم تتوقف عند داخل قسم المستعجلات. فمحيط المؤسسة بدوره يلفت الانتباه، خصوصاً بعض المساحات الخضراء التي ظهرت فيها أشجار يابسة وأخرى تعاني من تراجع واضح في حالتها.

قد يبدو الأمر بعيداً عن صلب الخدمات الطبية، إلا أن البيئة المحيطة بالمؤسسة الصحية جزء من ظروف استقبال المرضى ومرافقيهم والعاملين بها. والعناية بالمساحات الخضراء والنظافة والمظهر العام للمؤسسة يمكن أن تساهم في تحسين جودة الفضاء الذي يقصده المواطنون في ظروف غالباً ما تكون صعبة ومشحونة بالتوتر.

ست ساعات لا تكفي للحكم.. لكنها تكفي لطرح الأسئلة

ست ساعات من المعاينة لا يمكن أن تشكل تقييماً شاملاً لقسم المستعجلات، ولا يمكن من خلالها إصدار حكم نهائي على أداء المؤسسة أو العاملين بها. لكنها، في المقابل، تكفي لرصد عدد من التفاصيل اليومية وطرح أسئلة تستحق أجوبة واضحة.

هل حجم الموارد البشرية يتناسب مع عدد المرضى؟
ما متوسط مدة انتظار المرضى لإجراء الفحوصات؟
ما حجم التحاليل التي يتم إنجازها داخل المؤسسة وتلك التي يحال أصحابها إلى مختبرات خارجية؟
كيف يتم تنظيم دخول المرافقين؟
وهل توجد بروتوكولات واضحة لضمان انسيابية العمل داخل المستعجلات؟

هذه الأسئلة لا تستهدف العاملين بقدر ما تتعلق بتقييم ظروف اشتغال مرفق صحي عمومي يستقبل مواطنين في لحظات يكون فيها الوقت عاملاً حاسماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة