حزب الأصالة والمعاصرة: من رهانات التأسيس إلى أسئلة إعادة التموضع السياسي

منذ ظهوره في المشهد السياسي المغربي، ارتبط حزب الأصالة والمعاصرة بنقاش واسع حول طبيعة المشروع الذي حمله، والرهانات التي حكمت نشأته، ومدى قدرته على الاستمرار في ترجمة التصورات التي رافقت مرحلة التأسيس إلى ممارسة سياسية تستجيب للتحولات المتسارعة التي عرفها المجتمع المغربي.

فقد جاء تأسيس الحزب في سياق سياسي اتسم بإعادة تشكيل عدد من مكونات الخريطة الحزبية، حيث سعى المشروع الجديد إلى استقطاب وتوحيد مجموعة من الفعاليات السياسية والمدنية المنتمية إلى مشارب مختلفة، ضمن تصور ركز على قضايا الديمقراطية والتحديث والتنمية البشرية والمستدامة، إلى جانب تعزيز العدالة الاجتماعية ومواجهة التحديات التي كانت تفرضها التحولات السياسية والمجتمعية.
وترجع البدايات الأولى لهذا المشروع إلى الدينامية التي أفرزتها «حركة لكل الديمقراطيين»، والتي شكلت إطارًا لالتقاء عدد من الفاعلين السياسيين والمدنيين، قبل أن تتطور هذه المبادرة إلى مشروع حزبي استقطب بدوره مناضلين وقيادات من أحزاب سياسية اندمجت في التنظيم الجديد. وقد منح هذا التنوع في الخلفيات السياسية والتنظيمية للحزب خصوصية واضحة خلال مرحلة التأسيس، لكنه جعله في الوقت نفسه أمام تحدي بناء هوية تنظيمية وسياسية قادرة على استيعاب تعدد روافده.
ومع مرور الوقت، لم يعد النقاش حول الحزب مقتصرًا على ظروف نشأته أو موقعه داخل الخريطة الحزبية، بل امتد إلى طبيعة التحولات التي عرفها مشروعه السياسي والتنظيمي. فقد برزت، في مراحل مختلفة، انتقادات من شخصيات ارتبطت بتجربة التأسيس، رأت أن مسار الحزب لم يحافظ دائمًا على بعض الأهداف والتصورات التي رافقت انطلاقته. وأدى انتقال عدد من الوجوه المرتبطة بالمشروع إلى مواقع سياسية وتنظيمية مختلفة إلى تعميق النقاش بشأن مدى استمرارية الرؤية الأولى للحزب داخل ممارسته السياسية اللاحقة.
ومن هذه الزاوية، ظل التوتر بين «مشروع التأسيس» و«واقع الممارسة» أحد المحاور التي حضرت في النقاش العمومي حول الحزب. فالتنظيم، الذي قدم نفسه في بدايته باعتباره إطارًا قادرًا على استيعاب طاقات سياسية ومدنية متعددة، وجد نفسه، مع توالي السنوات، أمام تحولات داخلية متلاحقة شملت القيادة والتركيبة البشرية وآليات تدبير الاختلاف، فضلًا عن علاقته بباقي مكونات المشهد السياسي.
ولم تكن هذه التحولات منفصلة عن السياق السياسي والاجتماعي العام في المغرب، إذ فرضت التحولات الاقتصادية والاجتماعية على مختلف الأحزاب السياسية إعادة التفكير في خطاباتها وبرامجها، خصوصًا في ظل تنامي انتظارات المواطنين بشأن قضايا ترتبط مباشرة بحياتهم اليومية. ويأتي في مقدمة هذه الملفات التشغيل، والقدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، والصحة، والتعليم، وجودة الخدمات العمومية.
وفي أعقاب الاستحقاقات الانتخابية التي جرت في 23 شتنبر 2026، عاد النقاش حول موقع حزب الأصالة والمعاصرة داخل الخريطة السياسية، وحول طبيعة المرحلة التي ينتقل إليها التنظيم في ظل النتائج التي أفرزتها هذه الاستحقاقات. كما برزت أسئلة مرتبطة بمدى قدرة الحزب على إعادة صياغة مشروعه السياسي بما ينسجم مع التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الماضية، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي.
وتشير بعض القراءات المتداولة في متابعة الشأن الحزبي المغربي إلى أن التحولات التي عرفتها تركيبة الحزب، وظهور وانضمام أسماء جديدة في مراحل مختلفة، يمكن فهمها ضمن محاولات إعادة ترتيب البيت الداخلي وتجديد النخب واستعادة بعض المرتكزات التي ارتبطت بمشروع التأسيس. غير أن تقييم هذه الدينامية يظل مرتبطًا بما ستفرزه الممارسة السياسية والتنظيمية للحزب خلال المرحلة المقبلة، وبالخيارات التي سيعتمدها على مستوى الخطاب والبرامج وآليات العمل السياسي.
ولا يبدو أن التحدي المطروح أمام الحزب يقتصر على إعادة ترتيب موازين القوى داخل التنظيم أو تجديد الوجوه القيادية، بل يمتد إلى القدرة على تحويل النقاش المرتبط بالهوية والمشروع السياسي إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ، تستجيب للأولويات الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المواطنين.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الملفات باعتبارها اختبارًا عمليًا لأي تصور مستقبلي للحزب، من بينها البطالة، والقدرة الشرائية، وتكاليف المحروقات والسلع، وتجويد الخدمات الصحية، وإصلاح منظومة التعليم، فضلًا عن القضايا المرتبطة بالحماية الاجتماعية والتنمية المجالية. فالتعامل مع هذه الملفات لا يتعلق فقط بإنتاج خطاب سياسي جديد، وإنما بمدى القدرة على تقديم تصورات واضحة ومبادرات قابلة للقياس والتنفيذ.
وعليه، فإن مستقبل حزب الأصالة والمعاصرة لا يرتبط فقط بتغير القيادات أو إعادة تشكيل تركيبته التنظيمية، وإنما يطرح سؤالًا أوسع حول قدرة المشروع الذي رافق تأسيسه على التجدد وإعادة تعريف نفسه في ضوء التحولات التي شهدها المغرب. كما يطرح، في الوقت ذاته، إشكالية العلاقة بين الهوية السياسية والممارسة اليومية، وبين الخطاب الانتخابي والقدرة على إنتاج نتائج ملموسة.
وفي المحصلة، يبدو أن المرحلة المقبلة ستضع الحزب أمام اختبار مزدوج: أوله إعادة بناء التماسك الداخلي وتحديد ملامح مشروع سياسي أكثر وضوحًا، وثانيه ترجمة هذا المشروع إلى برامج ومبادرات تستجيب للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية. وبين هذين البعدين، يظل معيار الفعالية السياسية مرتبطًا بقدرة الحزب على الانتقال من نقاش التوازنات والأسماء إلى نقاش السياسات والبرامج والنتائج، وعلى بناء علاقة أكثر ارتباطًا بالمواطن وقضاياه اليومية.




