أخبار و حوادث

مطار الداخلة.. مشروع معلن منذ سنوات يعود إلى الواجهة وسط جدل حول المعطيات العقارية

لم يكن مشروع توسعة مطار الداخلة خبراً طارئاً أو ملفاً ظهر فجأة إلى الواجهة، بل كان ورشاً معلناً منذ سنوات، تداولته وسائل الإعلام، ونوقش داخل المؤسسة التشريعية، ووجد مكانه ضمن وثائق التخطيط والتعمير. غير أن ما جعل الملف يتحول مؤخراً إلى “قضية الساعة” لم يكن مضمون المشروع في حد ذاته، بل الطريقة التي أعيد بها تقديمه للرأي العام.

فمع إدراج مراجعة مخطط التهيئة العمرانية ضمن جدول أعمال دورة استثنائية لمجلس جماعة الداخلة في يوليوز 2026، برزت موجة من النقاشات التي أوحت وكأن المدينة أمام اكتشاف جديد، في حين أن مشروع توسعة المطار كان حاضراً في النقاش العمومي والمؤسساتي منذ سنوات.

مشروع استراتيجي سبقته محطات معلنة

تعود إحدى أبرز محطات هذا الورش إلى يناير 2021، حين تم تقديم مشروع “Aérocité d’El Argoub” باعتباره تصوراً مستقبلياً لإحداث قطب مطاري ولوجستي بمنطقة العركوب، ضمن رؤية تهدف إلى تعزيز مكانة المنطقة كواجهة اقتصادية واستثمارية.

وبعد ذلك بأشهر، أعلن المكتب الوطني للمطارات عن برنامج لتوسعة مطار الداخلة، يهدف إلى الرفع من قدرته الاستيعابية لتصل إلى مليون مسافر سنوياً، إلى جانب إحداث محطة جديدة للشحن، وتعزيز مواقف الطائرات، وتطوير مرافق مرتبطة بالنقل والخدمات والبنيات الفندقية والطرقية.

ولم يبق الملف محصوراً في الجانب التقني، بل انتقل إلى قبة البرلمان سنة 2023 من خلال سؤال كتابي، حيث أكدت وزارة النقل أن الدراسات التقنية الخاصة بالمشروع كانت متواصلة وأن إنجازه مبرمج ضمن المخططات المستقبلية.

كما عاد المشروع إلى الواجهة سنة 2025 في إطار مراجعة مخطط توجيه التهيئة العمرانية لخليج وادي الذهب، باعتباره أحد المشاريع الكبرى ذات الطابع الهيكلي بالنسبة للجهة.

من مشروع معلن إلى جدل مفاجئ

رغم هذه المحطات المتتالية، لم يعرف الملف آنذاك نفس الزخم الذي يشهده اليوم. فلم تُسجل حملات واسعة للمطالبة بتوضيحات، ولم يتحول النقاش إلى مواجهة سياسية أو مجتمعية، ولم تظهر بنفس القوة الأسئلة المرتبطة بالعقار والوعاء الأرضي ومسارات التوسعة.

غير أن الوضع تغير عندما بدأ المواطنون يطرحون تساؤلات مشروعة حول مستقبل ممتلكاتهم، والآثار المحتملة للمشروع على بعض العقارات والمجالات المجاورة. عندها دخل الملف مرحلة جديدة، وبرزت أصوات تقدم نفسها مدافعة عن حقوق الساكنة، وتطرح مقترحات وحلولاً مختلفة.

لكن النقاش، في بعض جوانبه، تجاوز أحياناً حدود المعطيات التقنية، حيث ظهرت تصورات بديلة لمسارات المطار وكأن تحديد مواقع المنشآت الكبرى يمكن أن يتم عبر مقترحات عابرة، في حين أن مشاريع من هذا الحجم تخضع عادة لدراسات هندسية ومجالية دقيقة، تراعي معايير تقنية وقانونية معقدة.

أسئلة حول التوقيت وطبيعة النقاش

أمام هذا التحول، يطرح عدد من المتابعين تساؤلات حول توقيت إثارة الملف. فإذا كان المشروع معروفاً منذ سنة 2021، فلماذا لم يكن النقاش العمومي حول تأثيراته العقارية والاقتصادية حاضراً بالحدة نفسها منذ البداية؟ ولماذا لم تتوسع المطالب المتعلقة بنشر المعطيات والخرائط الرسمية عندما تمت مناقشة المشروع داخل البرلمان سنة 2023 أو عند إدراجه ضمن وثائق التعمير سنة 2025؟

هذه الأسئلة لا تلغي حق المواطنين في معرفة تفاصيل المشروع أو التعبير عن مخاوفهم، لكنها تفتح نقاشاً حول ضرورة اعتماد مقاربة استباقية في التواصل مع الساكنة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع كبرى قد يكون لها تأثير مباشر على الملكيات الخاصة والمجال العمراني.

المجلس الجماعي ليس صاحب القرار النهائي

ومن بين النقاط التي أثارت جدلاً في هذا الملف، مسألة الصلاحيات المؤسساتية. فالمجلس الجماعي، رغم دوره في دراسة وثائق التعمير وإبداء الرأي وتقديم الملاحظات والاقتراحات، لا يملك منفرداً سلطة اتخاذ القرار النهائي بشأن مشروع استراتيجي بهذا الحجم.

فالملفات المرتبطة بالبنيات التحتية الكبرى والتخطيط المجالي تمر عبر مساطر متعددة، وتشارك فيها مؤسسات وقطاعات مختلفة. لذلك فإن تقديم الأمر للرأي العام وكأن مصير المشروع برمته مرتبط فقط بتصويت داخل دورة جماعية قد يؤدي إلى تبسيط مخلّ لا يعكس حقيقة المساطر القانونية والإدارية.

الشفافية مفتاح طمأنة المواطنين

إن جوهر النقاش الحقيقي حول توسعة مطار الداخلة لا ينبغي أن ينحصر في رفض المشروع أو الدفاع عنه، بل في مدى وضوح المعطيات المرتبطة به. فالمطلوب هو نشر الخرائط الرسمية، وتحديد المجالات المعنية، وتوضيح المعايير التقنية المعتمدة، وضمان حقوق الملاك، والكشف عن كيفية التعامل مع أي إجراءات محتملة لنزع الملكية وفق القوانين الجاري بها العمل.

فالشفافية تظل الوسيلة الأكثر فعالية لحماية حقوق المواطنين وتقليص مساحة الإشاعات. كما أن التواصل المبكر والواضح يساعد على بناء الثقة، بدل ترك الفراغ المعلوماتي مفتوحاً أمام التأويلات.

بين حماية الحقوق وتوظيف الجدل

تحول مشروع معلن منذ سنوات إلى ملف ساخن في ظرف قصير، ليس بسبب ظهوره المفاجئ، بل بسبب تأخر التواصل حول تفاصيله بالنسبة لفئات واسعة من المواطنين، وبسبب دخول أطراف مختلفة على خط النقاش بعد أن أصبح الموضوع محط اهتمام عام.

ويبقى التحدي الأساسي هو ضمان توازن بين إنجاز مشروع استراتيجي قد يحمل رهانات اقتصادية وتنموية للجهة، وبين حماية حقوق السكان وتوفير كل الضمانات القانونية المرتبطة بممتلكاتهم.

أما السؤال الأوسع الذي يظل مطروحاً، فهو ما إذا كان تصاعد الجدل الحالي يعكس فقط حرصاً حقيقياً على مصالح المواطنين، أم أنه أصبح أيضاً جزءاً من صراع سياسي أوسع اتخذ من مشروع المطار عنواناً له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة