ستون قتيلاً في أيام قليلة: لماذا لم تُعلَن آسفي منطقة منكوبة؟


سلسلة من الحوادث المأساوية أودت بحياة ما لا يقل عن ستين مواطناً في عدد من المدن المغربية، دون أن يرافقها ما يعكس حجم الصدمة أو يوازي فداحة الخسائر البشرية. فقد أدى انهيار جدار داخل مدرسة إلى وفاة حارس، فيما انهار مبنيان سكنيان بمدينة فاس مخلفين 22 قتيلاً، بينما شهدت مدينة آسفي فيضانات جارفة أودت بحياة 37 شخصاً.
ورغم خطورة هذه الوقائع وتواليها في فترة زمنية وجيزة، بدا المشهد العام وكأن البلاد واصلت مسارها المعتاد دون توقف أو مساءلة عميقة، ما يطرح تساؤلات حقيقية حول كيفية التعاطي مع مثل هذه الكوارث، وحدود الاعتراف السياسي بالفشل حين يعجز التدبير العمومي عن حماية الأرواح.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال محوري لم يجد بعد جواباً واضحاً: لماذا لم تُعلَن مدينة آسفي منطقة منكوبة؟
في تجارب الدول التي تضع حياة مواطنيها في صدارة أولوياتها، يُعد إعلان منطقة منكوبة خطوة أولى نحو الاعتراف بوجود خلل بنيوي، قبل أن يكون إجراءً إدارياً يفتح الباب أمام تدخلات استعجالية ومساءلة المسؤولين. غير أن هذا الاعتراف، وفق مراقبين، ما يزال غائباً في الحالة المغربية، حيث يُفضَّل احتواء الفاجعة عبر البلاغات الرسمية بدل مواجهتها بأدوات سياسية وقانونية واضحة.
آسفي، كما يؤكد متابعون للشأن المحلي، ليست مدينة مجهولة المخاطر. فخطر الفيضانات معروف، ومسارات المياه موثقة، والهشاشة العمرانية قائمة منذ سنوات. ومع ذلك، جرى التعامل مع ما وقع وكأنه حادث عابر، نُسب في كثير من الأحيان إلى “القدر”، تفادياً لفتح نقاش قد يقود إلى تحديد المسؤوليات وترتيب المحاسبة.
الأكثر إثارة للقلق، بحسب عدد من الأصوات الحقوقية والإعلامية، أن المشهد السياسي لم يشهد حالة ارتباك أو وقفة مراجعة تليق بحجم الخسائر البشرية. وبدلاً من ذلك، انتقل النقاش سريعاً إلى سجالات أخرى أقل كلفة، من بينها الجدل حول علاقة الحكومة والمعارضة بالصحافة، في خطوة اعتبرها البعض محاولة لصرف الانتباه عن جوهر المأساة.
ورغم أهمية حرية الصحافة وحق التعبير، إلا أن ترتيب الأولويات بدا محل انتقاد واسع، إذ يرى متابعون أن سقوط هذا العدد من الضحايا كان يفترض أن يفرض صمتاً سياسياً مؤقتاً، ومساءلة جماعية حول أسباب تكرار الكوارث، بدل الانخراط في معارك خطابية جانبية.
ويحذر مراقبون من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود مؤامرة أو سوء نية، بقدر ما يكمن في تحول المآسي إلى أحداث اعتيادية، تُدار بالكلام وتُطوى صفحاتها بسرعة، فيما يبقى السؤال الجوهري معلقاً: متى تصبح حياة المواطنين كافية لفرض قرار سياسي شجاع؟
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نحتاج إلى مزيد من الضحايا حتى نكفّ عن اعتبار الموت أمراً عادياً يمكن تجاوزه؟ أم أن إعلان مناطق منكوبة ومحاسبة المقصرين سيظل مطلباً مؤجلاً في انتظار فاجعة أخرى؟




