ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا يعود إلى الواجهة في سياق ديناميات إقليمية متسارعة

عاد ملف ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا إلى صدارة الاهتمام السياسي والإعلامي، عقب التقارير الدولية التي أعادت طرح الموضوع في سياق اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797، الذي جدّد التأكيد على مبادرة الحكم الذاتي تحت سيادة المغرب في الصحراء باعتبارها “الحل الوحيد” للنزاع. هذا التطور أعاد بدوره تنشيط النقاش حول الملفات المرتبطة بالجرف القاري والمياه الإقليمية، باعتبارهما جزءًا من الديناميات الجيوسياسية المتسارعة التي تعرفها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.
وتشير وسائل إعلام أجنبية إلى أن الرباط ومدريد لم تتوصلا بعد إلى اتفاق نهائي بشأن ترسيم الحدود البحرية جنوب المملكة، رغم سنوات من الممارسة التي رسخت فصلًا واقعيًا بين المناطق البحرية للبلدين دون أن يرقى ذلك إلى ترسيم قانوني ملزم. ويستمر هذا الوضع في تغذية نقاش تقني وسياسي معقّد، خصوصًا مع تزايد أهمية الفضاءات البحرية في السياسات الوطنية والاستراتيجيات الاقتصادية للبلدين.

وفي قلب هذا النقاش يبرز جبل تروبيك، الواقع في المياه الأطلسية جنوب المغرب، والغني بالمعادن الإستراتيجية مثل التيلوريوم والكوبالت، ما يمنحه قيمة جيوـاقتصادية متصاعدة في ظل الطلب العالمي على الصناعات المرتبطة بالبطاريات والتقنيات الطاقية النظيفة. وقد عزّز المغرب موقعه في هذا الملف سنة 2020 عبر المصادقة على القانونين 37-17 و38-17 المتعلقين بترسيم حدوده البحرية ومناطقه الاقتصادية، بما يشمل الأقاليم الجنوبية، مؤكداً مبدأ الإنصاف كقاعدة لأي اتفاق مستقبلي مع إسبانيا.
في المقابل، تواصل مدريد الدفع نحو توسيع جرفها القاري المرتبط بجزر الكناري، وهو ما يواجه برفض مغربي نابع من التخوف من حدوث تداخل مع الجرف القاري للأقاليم الجنوبية، ما يجعل الملف واحدًا من أكثر الملفات التقنية حساسية في العلاقات الثنائية، نظرًا لتقاطعه مع اعتبارات السيادة والثروات الطبيعية والالتزامات الدولية للطرفين.
ومن المنتظر أن يشكل الاجتماع رفيع المستوى بين البلدين، المقرر عقده في مدريد في 4 دجنبر المقبل، محطةً لإعادة مناقشة هذا الموضوع ذي الأبعاد الجيوستراتيجية والاقتصادية، بهدف التوصل إلى صيغة توافقية بشأن الحدود البحرية. كما يرتقب أن يندرج ضمن أجندة أوسع للتعاون تشمل الاستثمار والبحث العلمي وحماية البيئة البحرية والتنسيق في مجالات الملاحة والأمن البحري.
ويأتي هذا النقاش في إطار الرؤية البحرية المتكاملة التي تبناها المغرب خلال العقود الأخيرة، والتي أبرزها وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة خلال مؤتمر الرباط في غشت الماضي، حين أكد أن المملكة اختارت أن تكون “أمة بحرية”. وأوضح بوريطة أن المغرب راكم مسارًا طويلًا في بناء مؤسساته البحرية وتحديث ترسانته القانونية بما ينسجم مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982، معتبرًا البحر امتدادًا لسيادة ووحدة التراب الوطني، وليس مجرد فضاء حدودي تقليدي.
وتقوم هذه الرؤية على الحوار والتفاهم والالتزام بالمقاربات القانونية في معالجة ملف الترسيم البحري، خصوصًا مع إسبانيا، إذ يعكس التعاون البحري بين البلدين نضج الشراكة الاستراتيجية وإدراكًا مشتركًا بأن البحر يمكن أن يتحول من مجال تنافس إلى رافعة للتكامل وجسر للتواصل.




