أخبار و حوادث

الحرب الكبرى بانتظار الشرق الأوسط


بقلم: عبد الهادي مزراري


لم يمر الأسبوع الأول على تنفيذ عملية “طوفان الأقصى”، التي اعلنتها حركة حماس، واستهدفت بها إسرائيل مخلفة أكثر من 1300 قتيل وآلاف الجرحى ومئات الرهائن، حتى ظهرت معطيات تفيد بأن عملية 7 أكتوبر لم تكن من دون جذور ممتدة خارج غزة وخارج المنطقة برمتها.
استغرقت العملية بعض الساعات القليلة، لكنها خلفت صدمة مهولة مازالت ارتداداتها مستمرة لأيام وأسابيع وربما لشهور وأعوام. وهي حالة غير مسبوقة في تاريخ الحروب والصراعات بين إسرائيل من جهة والعرب أو الفلسطينيين من جهة ثانية.
لم يكن من رد تلقائي لإسرائيل على هذه الضربة منذ الساعات الأولى سوى إمطار غزة بآلاف القنابل والقذائف من البر والبحر والجو، مخلفة أكثر من 2000 قتيل وآلاف الجرحى والرقم مرشح للارتفاع مع كل يوم يمر.
عمليات قصف غزة ليست أمرا جديدا فهو حالة مستمرة منذ عقود، لكن الجديد هذه المرة، هو أنه جاء بناء على ضربة نوعية في العمود الفقري لإسرائيل، جعلها تستنفر العالم برمته من أجل مسح حركة حماس من على وجه الأرض.
بعض المحللين ذهبوا إلى القول بأن هناك في الداخل الإسرائيلي من سمح تكتيكيا لحركة حماس بالقيام بهجوم في العمق الإسرائيلي من أجل اتخاذه ذريعة لتنفيذ عملية عسكرية كاسحة على غزة وطرد الفلسطينيين منها، والتخلص نهائيا من حركة حماس ومن كافة فصائل المقاومة المسلحة.
تدعم هذا السيناريو شخصيات إسرائيلية، وتطالب الحكومة والجيش الإسرائيليين بتقديم تفسير مقنع يبرر للرأي العام كيف تمكن بضع مقاتلين من القيام بغزوة كاسحة في العمق الإسرائبلي، متسائلين أين أجهزة المراقبة والرصد؟ أين خطوط الدفاع في خط التماس الناشط 24/24؟ أين وحدات الطوارئ المجندة؟ أين الجدار الأمني المجهز بأحدث كامرات المراقبة وآليات الدفاع الأوتوماتيكي؟
بغض النظر عما إذا كانت إسرائيل غضت الطرف عن هجوم حماس لتتخذه ذريعة من أجل تنفيذ مخطط يوجد سلفا على طاولة الحكومة الإسرائيلية، أم انها لم تفعل ذلك، فإن الضربة كانت فوق كل التصورات بشهادة خبراء عسكريين إسرائيليين وعرب ومن دول أخرى خارج المنطقة.
من جهتها، كشفت إسرائيل عن الخطوة الأخيرة من مخططها حتى قبل أن تقوم بالخطوة الأولى، وهي تهجير سكان غزة وتوطينهم في شماء سيناء، وهو مشروع قديم استنفذ حسب مسؤولين إسرائيليين كل المحاولات السياسية مع مصر، التي وافقت ضمنا في اتفاقيا كامب ديفيد على فكرة الوطن البديل لتوطين الفلسطينيين.
لكن سواء تعلق الأمر بالرئيسين حسني مبارك أو محمد مرسي لم يوافقا على هذا السناريو، الذي تأمل من خلاله إسرائبل إغلاق ملف المقاومة الفلسطينية. فيما بدا الرئيس عبد الفتاح السيسي بحسب سياسيين إسرائليين في موقف أضعف ويمكن فرض سياسة الأمر الواقع عليه.
في نظر المخططين الاستراتيجيين الإسرائيليين، ليس هناك فرصة أفضل من تلك التي قدمتها حماس لتوفير الغطاء السياسي لإسرائيل من أجل تنفيذ تلك الحرب الكاسحة التي طالما حلم بها الجيش الإسرائبلي لإخلاء غزة واستعادتها تحت السيطرة الإسرائيلية.
لكن السؤال المطروح هل هذا الأمر ممكن؟
لكي يكون قابلا للتنفيذ، يجب أن تقبل مصر بفتح معبر رفح، وتحت طائلة الحصار والقصف الجوي والزحف البري، سيضطر سكان غزة مغادرتها كما فعل أسلافهم الفلسطينيين في 1948، و1956، و1967، و1969، ونزحوا إلى لبنان والأردن وسوريا.
في تقدير الإسرائليين لا يجب ان تكون الحدود مع مصر أستثناء، وقد حان الوقت لإبعاد 2 مليون فلسطيني إلى هناك، وهو جزء من مخطط صفقة القرن، التي إذا تعذر تنفيذها بالدبلوماسية ستكون للحرب كلمة الفصل فيها.
لكن مصر السيسي على علتها ورغم كل مظاهر الضعف التي تنخرها من الداخل والخارج كان لها رأي آخر، حيث خرج الرئيس السيسي ليعلنها صراحة، “لن نقبل بنزوح أي فلسطيني إلى أرض مصر”.
جاء الموقف الرسمي للقاهرة مصحوبا بعملية قتل أودت بحياة إسرائيليين في مصر على يد متطرفين مجهولين، وهي رسالة يمكن أن تقرأ إسرائيل من خلالها أن مصر ليست جسما ميتا وإنما فقط جبهة نائمة.
تردد صوت آخر مؤيد للفلسطينيين من الأردن، وعلى لسان الملك عبد الله الثاني، الذي ظهر بلباس عسكري في خطاب أمام البرلمان يدعو فيه بقوة إلى حق الشعب الفلسطيني في تأسيس دولته المستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، منددا في الوقت نفسه بأعمال القصف التي ينفذها الجيش الإسرائيلي على المدنيين في غزة.
بدوره استغرب الرئيس التركي قرار الولايات المتحدة إرسال بوارج حربية إلى المنطقة، وقال إن ذلك مقدمة لشيء أكبر من القضاء على حماس، ودعا إلى تمكين الشعب الفلسطيني من حقه في إقامة دولته المستقلة والتوقف عن حصار وقتل الفلسطينيين.
بدورها السعودية أعلنت عن وقف كل قنوات التواصل المفتوحة التي تنشط للتطبيع مع إسرائيل، ودعت على لسان ولي العهد محمد بن سلمان إلى ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية كشرط أساسي قبل أي تطبيع بين الرياض وتل أبيب.
صدرت هذه المواقف عن دول تعدها واشنطن في حقيبتها الدبلوماسية وتعتبرها صديقة، وبعضها مطبع مع إسرائيل، فما هو حال دول أخرى في المنطقة تناصب العداء لإسرائيل وتناصبها إسرائيل العداء مثل إيران وسوريا ولبنان؟
من أجل تلك الدول حل وزير الخارجية الأمريكي انطوني بلينكن في زيارة إلى المنطقة قادته بعد إسرائبل إلى الأردن وقطر والسعودية ومصر ، وفي جعبته ثلاث مطالب رئيسية وهي:

  • لا لتوسبع رقعة الحرب
  • نترك إسرائيل تدافع عن نفسها وتزيل الشر من غزة
  • لحماية المدنيبن يفتح معبر رفح لمرورهم بأمان إلى شمال سيناء.
    لكن هل مطالب السيد بلينكن يمكن تنفيذها كما يتصورها الحلف الإسرائيلي الأمربكي؟
    قبل أن يحل وزير الخارجية الامريكي في زيارته إلى المنطقة سبقته إليها البوارج الحربية الامريكية، وحل بدوره وزير الدفاع لويد اوستن بإسرائيل وقال إن “الاعتداء على إسرائيل هو اعتداء على الولايات المتحدة”.
    يبدو دون ريب أن لغة الديبلوماسية الأمريكية مصحوبة بلغة عسكرية صارمة، وأن التدخل العسكري الأمريكي المباشر أمر واقع لا محال.
    خلف كل التحركات الميدانية العسكرية والسياسية التي تطوق المنطقة هناك معطى جديد وغير مسبوق يظهر في الأفق، وهو ما جعل الولايات المتحدة تحاول النزول بكل ثقلها في هذه الحرب.
    ظهر هذا المعطى منذ اللحظة الأولى إثر انعقاد الاجتماع الطارئ لمجلس الأمن في 8 اكتوبر عندما تقدمت الولايات المتحدة بمشروع قرار يدين عملية “طوفان الأقصى”، لكن روسيا رفضته، الأمر الذي جعل واشنطن تسحب المشروع.
    إثرها قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف “إذا كنا نريد الخوض في الموضوع فلا بد من الرجوع إلى أصل المشكل القائم هناك منذ عقود”.
    من جانبه كان الرئيس الروسي فلادمير بوتين أكثر وضحا، وأعلن عن دعمه للجانب الفلسطيني، ولكي يبقي يده في وسط العصا الماسك بها، قال “لا بد من حقوق الشعب الفلسطيني في إطار حل الدولتين”.
    صدر الموقف نفسه عن الصين التي امتنعت عن إصدار بيان يدين عملية “طوفان الأقصى”، وارسلت مبعوثها إلى المنطقة للشاور والتتسيق.
    بالنسبة لواشنطن يعتبر كلا الموقفين الروسي والصيني عنصر جديد في قضية الشرق الأوسط ومصدر تهديد حقيقي، وذلك من خلال دعم موسكو وبكين لأي نشاط سياسي او حتى عسكري ضد الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، وهو دعم بات مؤكدا من خلال دول توجد في المنطقة ولها علاقات قوية مع الصنيين والروس.
    في سياق ذلك حذرت إيران بلغة لا تخلو من الدهاء على لسان وزير خارجيتها عبد اللهيان عندما قال “نحذر من توسبع رقعة الحرب لتضم اطرافا أخرى”، في إشارة إلى الساحتين اللبنانية والسورية. وجاء تصريحه بعد ان أمرت واشنطن الدوحة بوقف تحويل الأرصدة الإيرانية المتفق عليها في الصفقة الأخيرة.
    قد تجري إيران مفاوضات مع الجانب الأمريكي من أجل تحقيق مكاسب جديدة، وقد سبق أن وطدت واشنطن إلى ذلك باستبعاد إيران من الضلوع في عملية “طوفان الأقصى”.
    لكن دخول روسيا والصين على الخط بمواقف مؤيدة للمقاومة الفلسطينية أمر يعزز موقف الدول الإقليمية حتى منها التي توجد افتراضيا في الحقيبة الدبلوماسية الأمريكية، ولهذا السبب سمع انطوني بلينكن كلاما باردا جدا في القاهرة وعمان والرياض والدوحة، إذا صدقت نوايا أصحابه، قال له بنسلمان “أوقفوا القصف وارفعوا الحصار عن غزة،” وقال له السيسي “موتى الفلسطينيين بالآلاف”، وقال له الملك عبد الله الثاني “ارفعوا المعاناة عن االشعب الفلسطيني”.
    في القادم من الأيام سيتأكد ما ستقرره إسرائيل التي انقسم فيها الوسط السياسي إلى دعاة إلى الحرب وإلى دعاة لوقف القتال. ويبدو أن الجناح المتشدد مسلح بقرار رد الاعتبار والانتقام، قبل أن تتحول عملية طوفان الأقصى إلى منعطف تارخي تندحر فيه إسرائيل في ليل بلا آخر.
    لم تعد المعطيات الإقليمية والدولية لصالح الولايات المتحدة كما كانت في الماضي، يكفي أن أقوى مؤشر على ذلك يوجد في ما قاله الرئيس الأوكراني فلودومير زلينسكي “بعد الاعتداء على إسرائيل سيقل الدعم لأوكرانيا هذا إذا لم يتقوف”، في كلامه الكثير من الحقيقة التي تجعل الرئيس الروسي فلادمير بوتين في وضع مريح، منذ اجتياح قواته اوكرانيا في فبراير 2022، فلم لا يدعم جبهة مشتعلة في الشرق الاوسط تشغل عدوه الأمريكي وتشتت تركيزه في وقت مباغث، فالحسابات الكبرى تصفي الحسابات الصغرى العالقة بين الاطراف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة