العالم يتغير
بقلم عبد الهادي مزراري
خلال الاسبوع الذي نودعه، شهد العالم حدثين ينطويان على قدر كبير من الاهمية والخطورة. الحدث الاول انتخاب جورجيا ميلوني زعيمة اليمين المتطرف رئيسة للوزاء في إيطاليا.
الحدث الثاني توقيع الرئيس الروسي فلادمير بوتين على مرسوم ضم أربعة مناطق من شرق اوكرانيا إلى أراضي روسيا.
يبدو في الظاهر أن الحدثين غبر مرتبطين ببعضهما البعض، ولكن في الحقيقة كل حدث يكمل الآخر في اتجاه صنع واقع جديد في القارة الأوروبية بشكل خاص وفي العالم بشكل عام.
قلنا في مرات سابقة إن الحرب الروسية في أوكرانيا لا تقتصر على الحدود الجغرافية للمعارك الدائرة، ولكن هي حرب تستهدف جوهر النظام العالمي القائم.
روسيا لم تعد تقبل بالوضع كما هو، بل جهزت نفسها، كما ترى ذلك، لاستعادة المجد الضائع. قالها بوتين صراحة، وهو يتحدث عن جغرافيا الاتحاد السوفياتي، وعن سياسة الامبراطورية القيصرية، ويتطلع لدور روسي في قمة الهرم الدولي، مهددا باستعمال السلاح النووي في حال تصدت له اي قوة في الغرب لثنيه عن مخططه.
ترى روسيا ان الطريق إلى الريادة العالمية يمر عبر تقطيع أوكرانيا وضم مناطقها الشريقية الناطقة بالروسية،وجعلها في شكل جدار من النار يحميها من مد الناتو.
إضافة إلى ذلك، ترمي روسيا من خلال ضم اراضي من شرق اوكرانيا، التوقيع على وثيقة القطيعة التامة مع الغرب، وأن الحرب ستدور بأشكال مختلفة اقتصادية وسياسية واعلامية وفكرية وثقافية.
نحن أمام واقع جديد، ينطلق من أوروبا ويمتد إلى العالم، وعلى ذكر أوروبا، يطرح السؤال، هل تتحمل القارة العجوز احتضان حرب عالمية ثالثة؟
الظاهر حتى هذه اللحظة، أن دول أوروبا، بدون استثناء، تدفع فاتورة هذه الحرب الروسية في اوكرانيا، وان سلاح العقوبات الاقتصادية والمالية، لم يكن له من أثر على المخطط الروسي، ولكن كانت له على العكس من ذلك عواقب سلبية على الدول الأوروبية، بسبب نقص الإمدادات في الغاز والطاقة والمواد المعدنية والغذائية.
الأكثر خطورة من ذلك، وبسبب ترنح القيادات الأوروبية ومحاولة إقناع نفسها بضرورة الاصطفاف خلف أوكرانيا، أصبحت في مواجهة مع الرأي العام ومع المواطنين الأوروبيين، حتى من الصعب عليها صد حركة اليمين المتطرف الذي يرقص من شدة الفرح بسبب إذلال الحكومات الغربية أمام روسبا.
انتصرت جورجيا ميلوني في إيطاليا، وقالت كلماتها التي هي الأخرى تقطع مع الماضي، وإن كانت لم تتغزل بالرئيس الروسي بوتين، فهي لا تشاطر الزعماء الغربيين السياسة التي يتبعونها.
قبل ميلوني، حقق الحزب اليميني في السويد، فوزا أجبر ماجدالينا أندرسون رئيسة الوزراء على تقديم استقالتها، وترددت تصريحات باحتمال تراجع السويد عن طلب الانضمام إلى الناتو.
تقودنا هذه التطورات إلى فهم كيف ستكون أوروبا الجديدة، هل ستمضي في حماية خصوصياتها ذات الطابع الغربي وتسير خلف الولايات المتحدة الأمريكية؟ وفي هذه الحالة ستكون مجبرة على خوض باقي أشواط الحرب مع روسيا، أم ان اوروبا ستشهد من الداخل تحولا ينجم على الصراع بين القوى اليمينية التقدمية والقوى المحافظة؟ وفي هذه الحالة ستكون مجبرة على بعض كسر حلقات سلسلة التحالف مع الولايات المتحدة؟
ما هو مؤكد أن أوروبا اليوم ليست أوروبا الأمس، وفي كل الأحوال، ومع طرح سؤال الهوية، تصبح قوميات وديانات في ميدان الرماية وفي مقدمتها المسلمين واليهود والأفارقة والعرب،إنها بحق شرارة حروب عرقية وعنصرية وحتى دينية.





