مصيدة الهويات والقوميات من ينصبها ومن يقع فيها؟

بقلم: عبد الهادي مزراري
من يحلق شوارب الدروز في سوريا؟ من هم الدروز؟ وكيف عاشوا في دول تحت حماية دول أخرى؟ كيف سمحوا لأنفسهم بأن يكونوا حصان طروادة للأجني على حساب الدول التي ينتمون إليها؟ وهل ينفجرون كنقبلة في سوريا ولبنان؟ أم أن إسرائيل ستتخلى عنهم في نهاية المطاف؟
في كل دولة توجد قوميات وطوائف ومذاهب قد تصبح يوما ما بمستوى ما وصل إليه الدروز، كيف ذلك؟
ليس في متناول المحللين السياسيين معرفة الأبعاد الخطيرة لإثارة قضية الهويات الخاصة بالقبائل والقوميات والطوائف في عدد من البلدان، التي تعاني أصلا خطر الانفصال والتفكك. ولا يمكن إحاطة هذا الموضوع بما يستحقه من إلمام إلا في إطار دراسة معمقة في العلاقات الدولية.
قد يظل الأمر غير واضح بالشكل المطلوب، بسبب تضارب وتداخل ما هو تاريخي وثقافي وفني وعقائدي من جهة وبين ما هو حقوقي وسياسي وأمني من جهة ثانية.
إن تعدد القوميات وتنوع القبائل والفصائل والديانات والمذاهب لا يوجد فقط في بلدان جنوب الكرة الأرضية، بل أيضا يوجد في دول الشمال
بصورة أكثر تمييزا، يوجد التنوع العرقي والإثني والديني في الدول القوية الكبرى كما يوجد في الدول الضعيفة والصغرى.
إن القوميات والديانات والمذاهب لا ترسم حدود الدول، ولكن وضعياتها في الدول الكبرى القوية يختلف عن وضعها في الدول الصغرى والضعيفة.
كمثال على ذلك تعيش الإثنيات العرقية في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا حتى لا نكاد نسمع عنها شيئا، وضعا مختلفا عن وضعية الإثنيات العرقية في العراق أو الصومال أو السودان.
كذلك تختلف وضعية التنوع الديني والمذهبي والعقائدي في الولايات المتحدة عن أوضاع الطوائف الدينية والمذهبية في لبنان أو نيجيريا.
ففي حالة الدول الكبرى والقوية لا يشكل التنوع الديني والعرقي أي خطر على الدولة، بينما في الدول النامية والفقيرة غالبا ما يشكل هذا التنوع قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة وتعصف باستقرار البلد ووحدته الوطنية والترابية.
قد يتساءل البعض عن سبب وجود هذا الاختلاف بين اعتبار القوميات والطوائف والمذاهب خطرا في بلدان معينة، بينما يعتبر أمرا عاديا لا يثير أي قلق في بلدان أخرى.
لا يوجد سبب واحد، ولكن هناك عدة أسباب لفهم الأمر بشكل جيد، يمكن إجمالها في عوامل داخلية وأخرى خارجية.
العوامل الداخلية:
بالنسبة للعوامل الداخلية هناك التراكمات التاريخية التي قد تكون محشوة بعدوات وتجاوزات وتظلمات تعرضت لها قوميات معينة على يد قوميات أخرى تتقاسم معها المجال الجغرافي نفسه.
هناك أيضا عامل النظام السياسي، فكلما ساد القمع والاطهاد كلما تغدت القوميات والطوائف بالحقد والعنصرية وكره الآخر، هناك الفعل وهناك رد الفعل.
هناك كذلك عامل الوضع الاعتباري على الأصعدة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، فكلما ساد التهميش والاقصاء كلما كان لذلك انعكاس على مواقف وآراء أبناء تلك القوميات والطوائف.
يبدأ الأمر بمعارضة سياسية في إطار النظام وما يلبث حتى يتحول إلى مطالبة بالسيطرة على الحكم أو بالانفصال.
حدثت وتحدث مثل هذه الأمور بشكل مستمر في عدد من الدول وتعرض الاستقرار للخطر وتصل في معظم الحالات إلى مستوى الحروب الأهلية.
العوامل الخارجية:
بمجرد ما تتوفر العوامل الداخلية المتعلقة بتفجير ملف القوميات والطوائف، وهي متوفرة في معظم الدول النامية، تكون العوامل الخارجية على أهبة الاستعداد للتفاعل معها وتفجيرها، فالأمر يشبه حبة طماطم تعشش فيها دودة يتوقف نموها على عامل الحرارة والرطوبة والهواء في الخارج، تساعد على تعفن تلك الحبة من الطماطم.
في هذه الحالة تتشكل مواقف ومبادرات الدول الخارجية التي تتصرف بمنطق القوة والمصلحة والسلطة. حيث تشكل وضعية القوميات والطوائف في الدول الضعيفة طبقا شهيا للدول الكبرى فتبدأ عملها على الدروب التالية:
النشاط الاستخباراتي
تتوغل استخبارات الدول بقبعات مدنية وثقافية وفكرية ودينية وتنسج علاقات في الإطار الجمعوي مع فعاليات محلية وتتبادل زيارات ورحلات تبدو في مظهرها بريئة وخالية من أي توابل سياسية، لكنها في العمق تشيد أنفاقا تحت الارض لنقل الأسلحة الفتاكة وعبور الجواسيس والمرتزقة عندما تدق ساعة الصفر.
النشاط السياسي في العلن
في حالة وجود نظام مرن في الدولة يسمح للقوميات والطوائف بالتعبير عن ذاتها وإعلان مطالبها، تتجرأ الجهات الخارجية بفرض إصلاحات سياسية وإبداء المزيد من الليونة والمرونة، قد يصل الأمر بنسج علاقات مباشرة مع أحزاب سياسية وتقديم تمويلات لها في السر وتحميلها رسائل تتضمن مطالب تتجاوز ما هو هوياتي ثقافي فكري ديني لتطال الشؤون السياسية والأمنية وتمسك بعصب الدولة.
النشاط الأمني
في اللحظة التي تنضج مسارات الانشطة الاستخباراتية بقبعاتها الثقافية والفنية والفكرية والدينية، ويكون الجو مهيئا اجتماعيا للاحتجاجات والثورات، وتكون أيضا نخب سياسية تدعم الأفكار الهوياتية بطابعها العرقي أو المذهبي، عندئذ يسهل على الجهة الخارجية زيادة الضغط على الجهات الحاكمة.
في هذه الحالة يكون مصير النظام بيد من وضع المصيدة ويعرف أين توجد وكيف يشغلها للإيقاع بالدولة في هاوية الاندحار: “إما تقديم مزيد من التنازلات وإما إشعال حرب أهلية”.
يعج العالم اليوم بأمثلة كثيرة لحالات تحاكي هذا التحليل، بعض الدول وصلت إلى المرحلة النهائية وتوجد في قلب المعترك الدامي، وأخرى مكبلة في حقل الرماية.
يجب على جميع الدول المستهدفة، وما فيها من الأحزاب السياسية، والجمعيات المدنية، والنشطاء الطلقاء، والمفكرون السارحون، والأئمة سليطي اللسان، الالتزام بالحيطة والحذر إذا كان همهم أوطانهم.
طابت أوقاتكم





