أخبار و حوادث

اعتقال مادورو تحت المجهر


بقلم: عبد الهادي مزراري


أربكت الولايات المتحدة الأمريكية الرأي العام الدولي بإعلانها المفاجئ عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك للمحاكمة، على خلفية اتهامات تتعلق بالاتجار في المخدرات وحيازة أسلحة رشاشة يزعم أنهما كانا يعتزمان استخدامها ضد الولايات المتحدة.
هذا التطور غير المسبوق فجر موجة واسعة من ردود الفعل الدولية، حيث سارعت دول عدة إلى إدانة التحرك الأمريكي، واعتبرته انتهاكا صارخا للقانون الدولي ومسا خطيرا بسيادة دولة مستقلة.
وتصدرت الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران قائمة الدول الرافضة للتدخل الأمريكي، إلى جانب بعض الدول الغربية، وفي مقدمتها فرنسا، التي رأت في الخطوة الأمريكية خروجا عن الشرعية الدولية وتجاوزا للأعراف الدبلوماسية المعمول بها.
في المقابل، ساد شعور بالارتياح في عدد من الدول التي تنظر إلى اعتقال مادورو باعتباره طيا لصفحة أخرى من صفحات أنظمة ديكتاتورية حكمت دولا غنية بالنفط والمعادن، بينما ظلت شعوبها ترزح تحت وطأة الفقر والتهميش.
ويعكس هذا الانقسام الحاد في المواقف الدولية تموضع كل طرف داخل الخارطة الجيوسياسية العالمية، حيث يبرر كل معسكر موقفه بما يخدم مصالحه الاستراتيجية. وفي خضم هذا الصراع، يبدو القانون الدولي الخاسر الأكبر، إذ يستدعى أحيانا كغطاء لتبرير انتهاك سيادة الدول، ويهمل أحيانا أخرى حين يتعارض مع حسابات القوة.
ولفهم أعمق للمشهد، من الضروري تفكيك مواقف الدول التي أعلنت معارضتها للتدخل الأمريكي في فنزويلا، بدءا بروسيا والصين، اللتين تربطهما بكراكاس اتفاقات عسكرية ومصالح استراتيجية.
فروسيا تخوض منذ فبراير 2022 حربا مفتوحة على أوكرانيا، وتسيطر على أكثر من 20 في المائة من أراضيها. ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حصلت موسكو على ما يشبه ضوءا أخضر أمريكيا للإبقاء على الوضع القائم، وهو ما أحدث شرخا داخل حلف شمال الأطلسي، وكشف انحيازا أمريكيا واضحا لروسيا على حساب أوكرانيا، ثم على حساب أوروبا ككل.
أما الصين، فهي تستعد بدورها للتحرك ضد تايوان، ولا يبدو أن الولايات المتحدة في وارد استخدام القوة العسكرية لردع بكين. إذ يعمل الرئيس ترامب على إعادة رسم معالم العلاقة مع الصين على أساس الاعتراف بثقلها العسكري، بل وصل به الأمر إلى تحذير حلفاء واشنطن، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، من أي خطوات قد تفسر على أنها استفزاز للصين.
وبالنسبة للموقف الإيراني، فهو يبدو منسجما تماما مع موقع طهران الجيوسياسي، باعتبارها تشترك مع كراكاس في عداء مزمن للولايات المتحدة. كما أن فنزويلا شكت خلال سنوات الحصار الأمريكي منفذا مهما لتسويق النفط الإيراني.
إلى جانب ذلك، لا يخفي النظام الإيراني قلقه من أن يكون الدور قادما عليه، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة التي يواجهها داخليا بسبب احتجاجات شعبية متصاعدة، تذكر إلى حد بعيد بالأزمة التي عاشها نيكولاس مادورو قبل أكثر من عقدين، حين رفض نتائج الانتخابات وتمسك بالسلطة لثلاث ولايات متتالية.
ويبقى الموقف الفرنسي هو الأكثر إثارة للاستغراب نسبيا، إذ وجه الرئيس إيمانويل ماكرون انتقادا مبطنا للتدخل الأمريكي في فنزويلا، واعتبره مخالفا للقانون الدولي.
غير أن الموقف الفرنسي، في جوهره، لا ينطلق من حرص حقيقي على القانون الدولي بقدر ما يعكس انزعاج باريس من تَشكل خارطة جديدة للعلاقات الدولية ترسم أمام أعين الأوروبيين دون إشراكهم في صياغتها.
تشعر فرنسا بمرارة واضحة وهي تتابع مؤشرات اتفاقات غير معلنة بين واشنطن وموسكو وبكين، تتعلق بإعادة توزيع مناطق النفوذ وتقاسم مصادر الطاقة والثروات في العالم.
ولولا ضوء أخضر روسي، وربما صيني أيضا، لما كان ابتلاع الولايات المتحدة لفنزويلا ليتم بهذه السلاسة. إذ يبدو أن ما يفعله ترامب في أمريكا الجنوبية يعادل ما يفعله بوتين في شرق أوروبا والقوقاز، وما تستعد الصين للقيام به في تايوان ومناطق أخرى نجحت في التغلغل إليها اقتصاديا داخل محيطها الإقليمي.
تدرك الولايات المتحدة أن عصرها الذهبي قد ولى، وأنها باتت تقاتل من أجل ترسيخ نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، أو بالأحرى ثلاثي الأقطاب، يرسم فيه كل قطب حدوده الجغرافية في مشهد يعيد إلى الأذهان زمن الإمبراطوريات التقليدية.
وفي ظل هذا النظام الدولي الآخذ في التشكل، لن تتمكن الدول الضعيفة من البقاء إلا عبر إعلان ولائها لإحدى القوى الكبرى. غير أن المعضلة الحقيقية تكمن في السؤال التالي: من يتبع من؟
بل إن الخطر الأكبر قد يسبق حتى اختيار “المتبوع”، إذ يصبح الطرف الأضعف عرضة للقنص أو للقصف قبل أن يبلغ منطقة الحماية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة