المغرب والإتحاد الأوروبي: قصة التلميذ الذي صار أستاذا



عندما نتتبع خيط تبون وبوقادوم وبطوش (براهيم غالي)، وهي أسماء أفراد عصابة، اكتشفنا أنها تقود إلى رأس الأفعى إسبانيا، التي أصابها الجنون بسبب رد فعل المغرب الذي لم تكن تتوقعه.
وجدنا إسبانيا التي عارضت القرار الأمريكي بالاعتراف بمغربية الصحراء منخرطة بكل قوة في التحالف مع محور الشر المرابط شرق المغرب، والمتمثل في النظام العسكري الجزائري ومنظمة البوليساريو المجرمة. لم تجد إسبانيا حرجا في استضافة زعيم عصابة متهم بجرائم ضد الإنسانية، وتستقبله في أراضيها بهوية مزورة. وعندما عبر المغرب عن رفضه لهذا السلوك باستعمال وسائل مشروعة، مثل استدعاء سفيرته في مدريد، والتخلي عن دور الدركي المجاني لحماية ثغور محتلة من زحف مهاجرين سريين، واستثناء موانئ اسبانية من عملية عبور مواطنيه في دول أوروبا. عندما لجأ المغرب لهذه الإجراءات البسيطة، جن جنون إسبانيا وصعدت تحركاتها باللجوء إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، أملا في استصدار توصيات تدين المغرب وتضغط عليه، وتمكنت بحسب اعتقادها في جر البرلمان الأوروبي إلى ساحة المعركة أنها ستتمكن من لي ذراع المفرب، لكن الرد جاء سريعا من الرباط على لسان وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، الذي قال للإسبان ما مفاده “إنكم بهذه الطريقة تعقدون طريق الحل، وتحاولون عبثا إقحام الاتحاد الأوروبي في مشكل ثنائي”، وردا على قرار البرلمان الأوروبي الذي وقف محتشما بين الإدانة والرفض، قال بوريطة مخاطبا الاتحاد الأوروبي برمته “انتهى على الاتحاد الأوروبي القيام بدور الأستاذ في مواجهة التلميذ”.
فماذا حدث حتى ثار التلميذ في وجه الأستاذ؟ إذا سلمنا مجازا بأن أوروبا كانت فعلا أستاذا مفيدا في إعطاء الدروس للشعوب الأخرى؟ فات على الاتحاد الاوروبي أن يدرك بأن أهميته الاستراتيجية في العلاقات الدولية أصبحت منتهية الصلاحية، أو على الأقل صارت بدرجة ثانوية، حيث كان لأوروبا وتحدبدا دول غرب القارة دور محوري بقيادة الولايات المتحدة في مواجهة المد السوفياتي. أما اليوم وبعد انتقال مركز القوة الاقتصادية والتكنولوجية وحتى العسكرية إلى الصين، فقد انتقل معها الاهتمام الأمريكي من أوروبا إلى إفريقيا ومناطق أخرى تمكنت الصين من غزوها اقتصاديا. في السابق كانت الولايات المتحدة الأمريكية تركز وجودها في الشرق الأوسط، وفي بعض الدول المحورية في القارة الأسيوية مثل الهند وباكستان وكوريا الجنوبية، مستعينة في أوروبا بدول غرب القارة في محاصرة روسيا. وكانت الإدارات السابقة في البيت الابيض تغض الطرف عن القارة الإفريقية باعتبارها حديقة خلفية لبعض حلفاءها الأوروبيين، وتحديدا فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، وكانت العملية تشبه إلى حد ما ترك قطعة من الحلوى في متناول الأطفال.
اليوم وبعدما أصبحت الصين المستثمر الأول على الصعيد العالمي في القارة الإفريقية، فإن قطعة الحلوى انتقلت حتما إلى مائدة القادة في بكبن، وهذا في حد ذاته فشل أوروبي فظيع في منع التوسع الاقتصادي الصيني من التهام القارة السمراء.
حتى قبل وصول الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى البيت الابيض، كانت الفكرة الرئيسية عند الأمريكيين تتشكل من مواقف سلبية حيال الحلفاء في أوروبا، وبدأت أصابع الاتهام تطال الاتحاد الاوروبي باعتباره حليفا عجوزا يضر بالولايات المتحدة أكثر مما ينفعها. مع مجيئ ترامب اتضحت الرؤية أكثر، وأقدمت واشنطن على قرارات صارمة تجاه الاتحاد الاوروبي اعتبرها الاوروبيون مجانبة لمنطق الشراكة الذي تعودوا عليه.
في بريطانيا فهم الساسة الإنجليز الكتاب الأمريكي من عنوانه، وطالبوا بمشروع شراكة جديد مع الولايات المتحدة، وقدموا عربون الصداقة مبكرا إلى الأمريكيين واعلنوا انسحابهم من الاتحاد الأوروبي. في خضم هذه التطورات، كان بلد اسمه المغرب يقوم بدور التلميذ النجيب، وكان وفيا لتوجهه الليبرالي، وتحالفه مع الغرب، وخضوعه لمنطق الجيوسترايجيا الجغرافية. وكان يمضي بخطى رصينة على درب ترسيخ “القيم السياسية الغربية” بالتزامن مع توثيق علاقاته بالدول المحورية في الشرق والغرب.
من جهة أخرى، عاد المغرب ليسقي جذوره في قارته الإفريقية ويؤسس منطقا جديدا للشراكة من داخل الاتحاد الإفريقي، الذي شكل انضمامه إليه قيمة مضافة رحبت بها كافة الدول الإفريقية في إطار فلسفة “رابح رابح” التي نادى بها الملك محمد السادس في أول خطاب له أمام الدول الأعضاء في الاتحاد.
من جانب آخر، وعلى الصعيد الأطلسي، كرس المغرب شراكته مع الولايات المتحدة، التي استشعرت أهميته وتفوقه في منطقته أمنيا واقتصاديا وسياسيا، مشكلا بذلك النموذج المثالي للحليف الموثوق به. وعلى قاعدة ” رابح رابح” وضعت أسس الشراكة مع العملاق الأمريكي الذي يريد الحفاظ على موقعه الريادي في العالم، ويسعى لحضور فعلي في القارة الإفريقية. ولهذا بالضبط جاء الخطاب الأمريكي في عهد بايدن بصيغة أمنية واضحة من خلال إجراء مناورات عسكرية في الصحراء المغربية، بعدما كان خطابا سياسيا وديبلوماسيا في عهد ترامب من خلال فتح قنصلية أمريكية عامة في مدينة الداخلة. صار المغرب يستمد قوته من ثباته على الطريق التي اختارها بكل عناية واستثمر فيها كل جهوده خلال عقود من الصمت والصبر، وجاء اليوم الذي يقول فيه “مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس”، والكلام ليس موجها لإسبانيا وحدها وإنما لكل من غرته هيمنته في السابق لاستغلال المغرب والضغط عليه ومساومته في موضوع وحدته الترابية. بقلم عبد الهادي مزراري

محمد سالم الشافعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: هذا المحتوى محمي من القرصنة