أخبار و حوادث

قضية فلسطين من زاوية أخرى


بقلم: عبد الهادي مزراري
اعتبرت قضية فلسطين قضية إسلامية وعربية وفلسطينية. واستمدت صفتها الإسلامية باعتبارها تضم أولى القبلتين وثالث الحرمين، وأن بها مسرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
واستمدت صفتها القومية من وجودها في أرض عربية ويقطنها جنس بشري عربي.
فيما استمدت عنصرها السياسي باعتبارها أرضا محتلة من قبل كيان مستحدث.
بعد مرور 62 عاما على قيام دولة إسرائيل فوق أرض فلسطين يطرح السؤال من أضاع فلسطين؟ وكيف ضاعت؟ ولماذا ضاعت؟
مع السؤال، من أضاع فلسطين؟
تاريخيا خضعت أرض فلسطين بما فيها الأماكن المقدسة عند المسلمين والمسيحيين واليهود إلى قوى ثارة وثنية وحينا مسيحية وآونة إسلامية، في كل حقبة تاريخية تتقوى فيها أمة ما تبسط سيطرتها عليها.
بالنسبة للمسلمين، كانت آخر القوى الإسلامية الضاربة التي خضعت فلسطين لإدارتها هي الإمبراطورية العثمانية.
بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى انتقلت فلسطين إلى سيطرة الدول المنتصرة في الحرب، وتحديدا إلى بريطانيا التي فرضت انتدابا عليها وعلى بلدان أخرى كانت خاضعة لسيادة الاتراك.
تاريخيا، ومن وجهة النظر الدينية ضاعت فلسطين من يد الإمبراطورية الإسلامية العثمانية. ومن وجهة النظر السياسية، انتقلت فلسطين من الاحتلال التركي العثماني إلى الانتداب البريطاني الغربي.
عمليا، يصعب إلقاء تهمة ضياع فلسطين على العرب، وإن كانت من جهة تتحمل مسؤولية ضياعها، فهي الإمبراطورية العثمانية، لكن لا أحد يمكن أن يحاسب اسطنبول على هزيمتها، كما لم يحاسبها أحد على سيطرتها على كافة البلدان العربية التي رزحت تحت أحذيتها السوداء لعقود طويلة.
السؤال المطروح، هو هل كانت فلسطين ستكون مستقلة عن الأمبراطورية العثمانية لو كانت سيطرتها ما تزال قائمة؟
تعتبر تركيا حتى يومنا هذا من الدول الأساسية التي اعترفت بإسرائيل وأقامت معها علاقات منذ تأسبسها في عام 1948.
حسب التقويم الاستعماري، لم يكن ممكنا للأقطار العربية التخلص من الاحتلال العثماني لو لا تدخل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة في حرب ضد الامراطوريتين المتحالفتين الجرامنية والعثمانية.
إن نتائج الحرب العالمية الأولى هي التي نقلت أجزاء كبيرة في البلاد العربية من الاحتلال العثماني إلى الاحتلال البريطاني والفرنسي.
إلى هنا نستخلص أن فلسطين أضاعها العثمانيون في حرب، وكسبتها بريطانيا كغنيمة، وحصل عليها اليهود كوعد.
أين مسؤولية العرب في هذه القصة؟
نشأ الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية في إطار مبدأ المقاومة وتصفية الاستعمار، واستمد قدسيته من الاعتبار الديني لما للقدس من مكانة في نفوس المسلمين قاطبة. لكن هل نظر العرب إلى هذه القضية من الزاوية الصحيحة والمنطقية؟ أم أنهم كعادتهم تسبقهم المشاعر بلا أفكار؟
مع السؤال الثاني: لماذا ضاعت فلسطين؟
الجواب. بكل بساطة “ضاعت فلسطين لأن العرب هم الذين تكفلوا بتحريرها”.
كيف ذلك؟
عندما نشأت دولة إسرائيل فوق أرض فلسطين، كانت بحاجة إلى عاملين أساسيين.
العامل الأول: قوى دولية عظمى حليفة تدعمها، وكانت تتوفر عليها وما تزال تدعمها إلى يوم الله هذا، وهي في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا وفي كل دول العالم.
العامل الثاني: قوى إقليمية منهارة وفاشلة تناصب إسرائيل العداء، وطبعا شكلت الدول العربية بغباء هذا العنصر المهم في حياة إسرائيل بصفته جبهة الشر التي تتذرع بها لضمان الدعم والتأييد العالميين.
لا يتصور أحد اليوم حجم الغباء العربي في إعلان الحرب على إسرائيل ومقاطعتها دون استقراء العوامل والمعطيات التي أحاطت بالمشكل منذ نشأته وحتى قبل ذلك.
في بداية الطريق، كان أمام العرب ثلاث خيارت في التعامل مع تأسيس دولة إسرائيل.
الخيار الأول: عدم الاكثرات بالحدث والخضوع للأمر الواقع، كما خاضع العرب في حالات أخرى. وكانوا في هذه الحالة على الأقل سيجنبون أنفسهم ضريبة المواجهة مع إسرائيل التي كلفتهم الكثير.
الخيار الثاني: تبني القضية الفلسطينية بالمعايير والعناصر التي تم بها تناولها، وهي المواجهة والصد والمقاطعة والحرب. ورأينا كم كانت تكلفة هذا الخيار باهضة الثمن ودون أي نتائج، في ظل التأرجح غير المنطقي بين خيار السلام وخيار الحرب.
الخيار الثالث: تبني القضية الفلسطينية بالارتكاز على المعطيات الاستراتيجية وموازن القوة في المنطقة والعالم، وهذا الخيار كان يقتضي منذ البداية الانضمام إلى المسار الدولي، والاعتراف بإسرئيل، ونقل الدفاع عن القضية الفلسطينية إلى النطاق العالمي.
نتساءل بماذا كان سيجدي هذا الخيار؟
1 – أول ما كان سيحققه هذا لخيار، هو إسقاط ورقة الضحية التي لعبتها إسرائيل، وكان ذلك سيؤثر على جبهتيها الداخلية والخارجية.
2- كانت الدول العربية على الأقل ستستفيد من مناخ السلام ولا تجد من يناصبها العداء في الدول الغربية وفي العالم بسبب مكانة إسرائيل ونفوذها في تلك الدول.
3- كانت الدول العربية ستوفر على نفسها الضربات الإسرائيلية تحت الحزام التي تسببت في خلخلة الأوضاع في كثير من الدول العربية وفي ما بينها.
4- كان بإمكان العرب في إطار التطبيع مع إسرائيل أن يدافعوا عن قضية فلسطين من منطلق حقوقي وإنساني يلقى صداه المناسب على الصعيد العالمي، بعيدا عن العصبية والقومية والتطرف.
5- كان بإمكان الدول العربية أن تتخلص من نظرية المؤامرة وتبعاتها، وتتفرغ لبناء ذاتها وتقوية نفسها وتعزيز مركزها على الصعيد العالمي علميا واجتماعيا واقتصاديا وعسكريا بالنظر إلى ما تتوفر عليه من إمكانيات بشرية وثروات طببعية.
6- كان أيضا بإمكان الدول العربية أن تقدم الدعم الحقيقي للشعب الفلسطيني متمثلا في بناء الوحدة الفلسطينية ودعمها بالمال.
من كل ذلك، لم تسلك الدول العربية هذا الخيار ، ولكنها سلكت خيار المواجهة والضد، وإليكم نتائجه:
مع السؤال الثالث: لماذا ضاعت فلسطين؟
في بداية الصراع تبنت الدول العربية خيار المواجهة، وحدث ما يلي:
1- كانت رقعة دولة إسرائيل عام 1948، مجهرية في خارطة الشرق الأوسط، وبعد ثورة الضباط الأحرار في مصر ووصول جمال عبد الناصر إلى السلطة، وإعلانه الحرب على إسرائيل تعرضت مصر عام 1956 لهجوم عسكري من قبل إسرائيل وفرنسا وبريطانيا، عرف يومها بالعدوان الثلاثي.
لم يقرأ عبدالناصر نتائج هذه الضربة بعيون القائد في ساحة الحرب، ولكن تعامل معها بشخصية الزعيم البطل الملهم، فصعد لهجته وحول القاهرة وكل مؤسساتها إلى بوق للدعاية بإلقاء إسرائيل في البحر.
في عام 1967، فاجأت إسرائيل مصر بالضربة القاضية، ووسعت نطاق سيطرتها، وضمت أراضي فلسطينية وعربية أخرى، وضاعت القدس.
وفر جمال عبد الناصر من خلال خيار الممانعة والمقاطعة النموذج المثالي للشخصية التي تبحث عنها إسرائيل لتقوية جبهتيها الداخلية والخارجية.
من جهة أخرى، تسبب جمال عبد الناصر صاحب قولة “حرب وجود لا حرب حدود”، في خلخلة الأمن داخل العالم العربي، لأنه كان يخون في قضية فلسطين كل من يخالفه الرأي.
فساعد في عمليات انقلاب في دول عربية اعتقادا منه أنه سيأتي إلى الحكم فيها بمن هم على شاكلته، وقعت أمور فظيعة في انقلابات في ليبيا وسوريا والعراق، وانقسم اليمن إلى يمن شمالي ويمن جنوبي، وقادت الجزائر الموالية لمصر عدوانا على المغرب، وتعرض أمن واستقرار دول عربية إلى الخطر بسبب سعي دول الممانعة في تقويض الدول التي تتهمها بالرجعية.
2- تم توظيف خيار الممانعة في تدمير العالم العربي من الداخل، في الوقت الذي كان بإمكان زعماء التيار القومي أن يقرأوا جيدا المعطيات الموجودة حولهم ويغيروا أسلوبهم. لكنهم استمروا في إثارة القلاقل، وفي قمع شعوبهم وتعطيل كل أوراش التنمية والديموقراطية بدعوى الانشغال بقضية فلسطبن وبناء الترسانة العسكرية القادرة على إحراق إسرائبل وإلقاء اليهود في البحر.
3- إلى جانب القوميين، شكلت التيارات الإسلامية على اختلاف فرقها السنية والشيعية جبهة أخرى تدعو إلى مقاطعة إسرائيل ومواجهتها بلا هوادة.
إسهامات التيارات الإسلامية العربية في الحرب على إسرائيل كانت قولا بلا فعل، أصدرت الفتاوى وأرعدت من فوق منبار المساجد والجماعات من المحيط إلى الخليج.
في كل حرب تشنها إسرائيل على الفلسطينيين يسقط الفلسطينيون ضحايا، وتكتفي التيارات الدينية بتنظيم المسيرات وإلقاء الخطب ونظم القصائد.
3- رغم الخلافات التي نشبت بين القوميين والإسلاميين والعداء الذي انتصب بينهم إلا أنهم كانوا متفقين على خيار مقاطعة إسرائيل، لكنهم لم يضعوا أي خطة عمل مشتركة، بل استعمل كل فريق منهما القضية الفلسطينية فقط لمخاطبة أتباعه وسلب عقولهم والاستحواذ على مشاعرهم.
مع تلاشي التيار القومي وتراجعه، بقي الإسلاميون يركضون في ساحة الملعب صعودا ونزولا، هدفهم الأول هو الوصول إلى السلطة.
شكل الربيع العربي فرصة ذهبية أمام الإسلاميين، ومكنهم من تبوأ مقالد الحكم في بعض الدول العربية، لكن من خطوتهم الأولى نسفوا كل الأمال الشعبية في إصلاح الأوضاع وتغييرها نحو الأحسن.
تقاتلوا سنة وشيعة في سوريا والعراق وليبيا واليمن، وقتلوا بالآلاف فيما بينهم ولم يسقط منهم ولو شهيد وحيد في فلسطين.
4- لم يكن للأداء العربي -وهو في صلب خيار المقاطعة- نتائج سلبية على صعيد العلاقات في ما ببن بلدانه، فحسب بل امتدت إلى الجانب الفلسطيني وساهمت في انقسام الساحة الفلسطينية، كل فريق عربي يدعم فريقا فلسطينيا، هذا توجه ماركسي شيوعي، وآخر ليبرالي، والآخر إسلامي، حتى انفجرت فلسطين بموالين لسوريا وإيران وليبيا ومصر …
هذا الانقسام الفلسطيني المتصل بالاتقسام العربي شكل أكبر ضربة للقضية الفلسطينية، التي راح فيها الفلسطينيون يقتلون بعضهم البعض.
5- استخدمت قضية فلسطين في إطار خيار المقاطعة لإلحاق الأذى بالدول العربية بعضها البعض، وهذا وجه آخر من أوجه العار العربي، حيث استخدمت بعض الأنظمة العربية القضية الفلسطينية لزعزعة استقرار جيرانها وتقويض وحدتها الوطنية والترابية، فدعمت حركات انفصالية بحجة تقرير المصير، مشبهة تلك الجماعات بالمقاومة الفلسطينة.
مثالا على ذلك، صنع النظام الجزائري بمعية النظام الليبي السابق جبهة انفصالية ضد المغرب ونسخا علما لها من علم دولة فلسطين، ودعماها بالمال والسلاح، مشكلة حجر عثرة في وجه أي وحدة مغاربية.
يعتبر ذلك من أسوأ الأمور التي قوضت وحدة الصف العربي، وأضرت بالقضية الفلسطينية، وبأمن واستقرار أحد أهم المناطق الاستراتيجية في البلاد العربية.
عن أي عروبة يتحدثون؟
في النهار يدعون إلى عبادة الله وفي الليل يسجدون للأوثان.
لا يمكن للزمن أن يرجع إلى عام 1948، ولكن من الممكن مراجعة السياسات الخاطئة، والاعتراف بالخطأ هو الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل التي يتعين على العرب قطعها لمفارقة حالة الضعف والنفاق والشقاق.
طابت أوقاتكم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة