في زمن كورونا سياسيون خارج السياسة


بقلم عبد الهادي مزراري
منذ أن طرقت جائحة كورونا أبواب المغرب في مارس 2020، واضطرت الدولة لفرض حجر صحي، دخلنا مرحلة استثنائية بكل المقاييس، وعلى غرار باقي دول العالم فرض الظرف الصحي أجواء غير مسبوقة اثرت بالسلب على مجالات اقتصادية واجتماعية وثقافية، وامتلك الخطاب الصحي سلطة تجاوزت كل التشريعات السماوية وغير السماوية. المثير في الأمر أن جائحة كورونا في بلادنا، لم تؤثر على الميادين السالفة الذكر وحسب، وإنما امتدت آثارها إلى كشف عيوب الساسيين المغاربة وإبراز القصور الذي يعتريهم فكرا وممارسة وحتى أخلاقا عند البعض.
في الواقع لم أكن متحمسا للتطرق إلى الجانب السياسي في تأثيرات كورونا على حياتنا، ولكن من خلال ما تلقاه الرأي العام من بلاغات وبيانات من هذا الجانب أو ذاك، ومن خلال مضمون تصربحات مستفزة لبعض السياسيين في هذا الحزب أو ذاك يتبين أن الموضوع يحتاج إلى إضاءة وإلى كشف المغالطات وتصحيح المفاهيم. في البداية، لا تعتبر السياسة حكرا على السياسيين، ولا يقصد بالسياسيين من يشتغل فقط من داخل الاحزاب السياسية او من دوالب الدولة، ولكن السياسة هي حصيلة الفعل ورد الفعل وطريقة كل طرف في مواجهة الطرف الآخر، حكومة ومعارضة، أغلبية وأقلية، حاكم ومحكوم. السياسة هي ذلك المناخ العام الذي تجري فيه الأحداث وتحدث فيه التقلبات، وكل واقعة رهينة بتفاعلات كل الأطراف التي صنعتها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. من المؤسف جدا أن تكشف ظروف جائحة كورونا الإفلاس السياسي في بلادنا، وقد ظهر ذلك بشكل واضح في مستوى مناقشة قضايا مصيرية تتعلق بواقع البلاد في حاضرها ومستقبلها. وهذه القضايا أرقتنا حتى من خلال الطريقة التي تعاملت بها الحكومة والأحزاب وقسم عريض من الرأي العام وأبانت عن المستوى الضعيف جدا لمسؤولين حكوميين وسياسيين و مواطنين. سيذكر التاريخ تفاصيل مزعجة عن ملفات وقضايا فشلنا في تدبيرها بشكل جيد، ولن ينسى المغاربة كوارث رصدتها كاميرات هواتفهم ووثقتها في حوادث سير مميتة خلال الهروب الكبير ليلة عيد الاضحى، وأصوات محتجين لم يتوصلوا بالدعم من صندوق كورونا فيما آخرون بحتجون على دعم فنانين ومؤسسات، ولن يغيب عن ذاكرة المغاربة السجال المريض عن تقاعد البرلمانيين وامتيازات رجال الدولة في زمن كورونا، فضلا عن مواضيع اخرى حفلت بها مواقع التواصل الاجتماعي من اغتصاب وقتل للأطفال وسرقات… مواضيع وملفات كثيرة اختفت في الشهور الأولى للحجر الصحي، حينما بدت الدولة مجسدة في وزارة الداخلية بمثابة رب الأسرة تحرس وتأمر وتوصل وتقاطع وتسمح وتمنع، وشكل رجال السلطة خط الدفاع الأول في الحرب ضد كورونا. طبعا لهذا الدور أبطال أبلوا البلاء الحسن في أداء مهمتهم وتحولوا إلى نجوم على مواقع التواصل الإجتماعي من قياد ورجال الشرطة والدرك والقوات المساعدة وأعوان السلطة. فيما أفسد آخرون منهم مشهد الأب العطوف والأم الحنون على شعب محجور عليه، وتعاملوا بقسوة وعنف مع الباعة المتجولين ودمروا عرباتهم البئسية بالجرافات في مشاهد مستفزة وحزينة.ورأينا رجال السلطة يصفعون أمام الكامرات مواطنين خرقوا الحجر الصحي في مشهد بات مألوفا في الجهات الأربع من الكوكب. خلال هذه الشهور ، ابتلع السياسيون ألسنتهم وحبسوا أنفسهم كبقية خلق الله، ولم يخف أحدهم موقع العمل الحزبي في فترة جائحة كورونا عندما سألته عن دور الاحزاب السياسية في هذه المرحلة، وقال لي “يبدو أننا رقم صفر على اليسار”.أفضل الاحزاب السياسية حالا انخرط في الدعاية للتحذير من مخاطر كورونا، وتوسع في تقديم الاقتراحات ونشر التحليلات، فلم يعد مسموحا إجراء لقاءات أو تنظيم ندووات أو تسيير حشود. كل ما هو ممكن هو افتراضي من خلف الشاشات الزرقاء في حدود ما يتصل بالجائحة وليس خارجا عنها. تبين فعلا للأحزاب السياسية أن وجودها قد يكون مثل عدمه في وقت انتقل فيه الأمن والاقتصاد والسلامة والصحة إلى ركن الدولة الذي يختصر في المؤسسة الملكية وأجهزة الأمن، وعاد القول على إثر ذلك ما الجدوى من هذه الأحزاب؟ تصرف عليها أموال طائلة من ميزانية الدولة خلال الحملات الانتخابية، وتخصص رواتب لممثليها في كل المجالس المنتخبة محليا وجهويا ووطنيا، ويضاف إلى ذلك التقاعد بعد إخلاء المقاعد. حول هذا الموضوع بالذات انفجر عنصر من حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة في وجه صحافيين اتهمهم بالدغمائية والعزف على وتر حساس واعتبرهم مجرد غوغائيين ومثيري للفتن يبخسون عمل الحكومة والمؤسسات في لحظة ما من فترات الحجر الصحي انتاب الناس شعور بالخوف من المجهول وتصدر اهتمامهم التفكير في زمن ما بعد كورونا، آملين ان تكون انطلاقتنا صحيحة تستهدف تقوية القطاعات التي يحتاج إليها البلد وعليها يتوقف مستقبله، وفي مقدمتها التعليم والصحة وبناء اقتصاد الاكتفاء الذاتي، الذي يوفر للشعب أساسياته، ويشغل ابناؤه، ويحصن سيادته، وكذلك تعزيز الأمن والعدالة في كل أرجاء البلاد. هذه الصورة تبددت كالبخار المتصاعد من كوب شاي في فترة وجيزة، إذ بمجرد رفع الحجر الصحي عادت حليمة لعادتها القدبمة، جرائم اغتصاب وقتل وفساد وتلاعب في المبزانيات وتبادل السباب والتراشق بالتهم، لا شيء تغير في سلوكنا. كان حري بالسياسيين الذين نصبوا أنفسهم في مراكز صنع القرار وحملوا لواء النضال من أجل محاربة الفساد وإصلاح مؤسسات الدولة والمجتمع أن يظهروا في زمن كورونا بهمة الجندي في ساحة القتال ينذر روحه في سبيل حياة الآخرين.لم يطلب أحد من الأحزاب السياسية أن تموت من أجل الشعب، ولكن في مثل ظرف كالذي نعيشه اليوم حيث الاقتصاد كله مبني على دعم ميزانية الدولة، كان الأجذر بالمؤسسات الحزبية أن تتخذ موقفا بطوليا ومشرفا في التاريخ وتعلن استعدادها للتخلي عن دعم الدولة وعن رواتب ممثليها، فهم في مطلق الأحوال رجال أعمال، وموظفون سامون، وملاك عقارات، ومزارعون كبار وليسوا بحاجة للأموال التي يحصلون عليها من السياسة لتدبير حياتهم اليومية.
لو اتخذت الأحزاب السياسية المغربية مثل هذه المبادرة كان ذلك سيتوجها في حدقات عيون الشعب، وكان سيجعل منها مصدرا فعليا لتقرير المصير، وبناء مستقبل البلاد بكل صدق وشفافية. البلاد دائما في حاجة إلى الأحزاب وللمؤسسات، والقول بغير ذلك هو اندفاع نحو الحكم الشمولي، لكن أي نوع من الأحزاب التي نحتاج إليها؟ وبالتالي أي نوع من السياسيين نحن في أمس الحاجة إلى وجودهم؟ فوجئ الرأي العام بترهات وشتائم وتهدبدات تتطاير من هنا وهناك. لا شيء تغير في تفكير سياسيينا فهم لا يعيشون من أجل السياسة ولكنهم يعيشون من السياسة.

محمد سالم الشافعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: هذا المحتوى محمي من القرصنة