أخبار و حوادث

فعلها بن سلمان


بقلم عبد الهادي مزراري


لا يمكن أن تكون قمة مجموعة أوبك بلوس، التي انعقدت الاسبوع الماضي، مرت دون آثار عميقة على السياسة والاقتصاد في العالم.
باتخاذها قرار خفض الانتاج العالمي من النفط بمليوني برميل يوميا، وفي هذه الظروف، تكون أوبك بلوس عقدت قمة استثنائية في تاريخها، والتي يشهد العالم بسبب قرارها انعطافا نحو نظام دولي جديد.
تاريخية واستثنائية لأنها جاءت في ظرف عالمي حساس بسبب الحرب الروسية في اوكرانيا. وهي حرب في الحقيقة بين روسيا من جهة والدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة من جهة ثانية.
اعتمد الغرب في هذه الحرب بشكل أساسي على سلاح العقوبات الاقتصادية والمالية ضد روسيا، لكن هذه الأخيرة حولت هذه العقوبات إلى حبل يخنق الدول الغربية، فانقلب إلى سلاح من غاز ونفط وحبوب ومعادن، تستخده موسكو بدون تردد، وألحق ضررا كبيرا بالغرب.
من جهتها، وبحكم مركزها القيادي تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية تعويض حصة روسيا من المواد الطاقية بهدف تأمين احتياجات حلفاءها. وبطبيعة الحال توجهت مباشرة إلى حليفها القديم المملكة العربية السعودية، وطلبت منها رفع حصة الانتاج.
قطع الرئيس الأمريكي جون بايدن مسافة طويلة قبل أن يصل إلى جدة، منتصف يوليوز الماضي (2022)، بعدما توقف في أوروبا ووعد قادتها بإيجاد حل لأزمة الغاز والنفط. وكان مجبرا على مقابلة محمد بن سلمان وجها لوجه.
صنف المراقبون هذا اللقاء بالنسبة لبايدن مثل الذهاب إلى طبيب الأسنان.
كان بايدن أطلق عبارات قاسية في حق بن سلمان، قبل وصوله إلى البيت الابيض، ورفض حتى مكالمته في الهاتف بعدما أصبح رئيسا للولايات المتحدة. لكن الأقدار ألقت به ضيفا في بيت بن سلمان.
من شيم العرب إكرام الضيف، لم يسمع الرئيس الأمريكي في قمة جدة ما يجعله يشك في وفاء السعودية بتلبية الطلب الأمريكي للزيادة في حصة الانتاج، وهو موضوع يجب الاستغال عليه من داخل مجموعة أوبك بلوس.
لكن من صفاة العرب أيضا أنهم لا يقبلون الإهانة ولا ينسون من أساء إلى كرامتهم. فمحاولات إهانة السعودية لم تبدأ مع الرئيس جون بايدن، ولكن سبقه إليها الرئيس السابق دونالد ترامب عندما استغل عملية اغتيال الصحافي جمال خشقجي في القنصلية السعودية في تركيا، وحاول ابتزاز الرياض بطريقته الخاصة.
لن ينسى محمد بن سلمان اللقاء الذي استضافه فيه ترامب في البيت الأبيض، ووضع بين يديه لوحة تحمل ارقاما بمليارات الدولارات، وقال له امسكها، متوجها إلى الرأي العام الأمريكي بحركته تلك “انظروا بماذا جئتكم”.
كان محمد بن سلمان يمر بمرحلة صعبة وكان وصوله إلى سدة ولاية العهد مصحوبا بمعارضة في الداخل والخارج، خاصة بعد واقعة خشقجي. وفي قلب العاصفة التي كانت تهب نحوه، وقع له امر غريب في قمة مجموعة 20 التي استضافتها الأرجنتين في دجنبر 2018، وفي الوقت الذي كان قادة الدول يتجنبون لقاءه، تقدم نحوه شخص بكل شجاعة وصافحه امام الجميع، هذا الشخص لم يكن سوى الرئيس الروسي فلادمير بوتين.
كان لتلك المصافحة معناها الكبير في قلب بن سلمان، وكان لها في ما بعد امتداد نحو علاقات سعودية روسبة متطورة يسودها الاحترام والثقة، وهما عنصران مهمان في بناء أي علاقة بين أي طرفين.
جاء اليوم الذي يرد فيه بن سلمان الجميل للرئيس بوتين، في الوقت الذي يردد بايدن بأن السعودية خذلته، بموازاة ارتفاع اصوات داخل الكونغرس تطالب بمعاقبة الرياض على قرار اوبك بلوس بخفض الانتاج، وهو قرار ستستفيد منه روسيا خصوصا مع اقتراب حلول فصل الشتاء، وتعتبره دعما لها لتركيع خصومها.
السؤال اامطروح هو، هل سيتصدى بن سلمان لردة الفعل الأمريكية؟
الجواب يوجد عند بن سلمان نفسه، فهو تحول في نظر الرأي العام العربي والإسلامي إلى بطل كبير، وجعل من السعودية قمرة قيادة لأكبر سفينة تحمل مستقبل الاقتصاد العالمي، وصارت للسعودية كلمتها ببن صناع القرار الكبار.
لا بد أن يكون بن سلمان أحاط نفسه وبلاده بحزام الأمان قبل المضي في هذا الطريق، ولا شك أن القرارات المصيرية تحبل بأحداث مصيرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة