قضايا و آراء

إيران بين الاحتجاج المشروع والفوضى الموجّهة

تأتي التطورات الجارية في إيران في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الأزمات الداخلية مع مشاريع الهيمنة الأميركية–الإسرائيلية الهادفة إلى إعادة تشكيل المنطقة عبر  الفوضى الخلاقة والتي أصبحت تعرف اليوم ب«الفوضى المضبوطة». فما يجري لا يقتصر على الداخل الإيراني، بل يندرج ضمن سياق أوسع يستهدف البنية السياسية والاجتماعية لدول الإقليم بأكملها.

تجارب المنطقة تُظهر أن الاحتجاجات، حين تُحرَّف عن مسارها الطبيعي، تتحول إلى أدوات استنزاف داخلي، تمتد آثارها إلى ما وراء الحدود، وتدفع نحو دوامات مفتوحة من عدم الاستقرار. وفي هذا الإطار، يبدو واضحاً أن المعادلة المطروحة تقوم على خيارين أحلاهما مرّ: إما إنهاك داخلي طويل الأمد، أو دفع الدولة إلى ردود فعل قاسية تُستثمر دولياً لتبرير الضغوط والعقوبات، وربما العدوان العسكري.

وتزداد خطورة المشهد مع تصاعد الحديث عن نيات أميركية إسرائيلية لفتح جبهات متزامنة ضد إيران ولبنان، في محاولة لتوسيع رقعة الصراع وفرض موازين قوى جديدة بالقوة لا عبر التفاوض. وفي هذا السياق، يبرز النموذج السياسي لدونالد ترامب، القائم على منطق الهيمنة والتعامل مع الدول والشعوب كأوراق ضغط ومصالح قابلة للمقايضة.

ومع ذلك، فإن اختزال ما يجري في إيران على أنه مجرد مؤامرة خارجية يتجاهل حقيقة أن الاحتجاج حق مشروع، وأن المطالب المعيشية والسياسية للناس لا يمكن نفيها أو شيطنتها. الإشكالية تكمن في تحويل هذه الاحتجاجات إلى أعمال فوضى وتخريب، ما يفتح الباب أمام التوظيف الخارجي ويُفقدها بعدها الشعبي.

يبقى الرهان الأساسي على الوعي الشعبي الإيراني وقدرته على التمييز بين الإصلاح المطلوب والمشاريع المشبوهة، وعلى قدرة القيادة على فتح قنوات حوار داخلي جدي تُقدّم حلولاً ملموسة. فالحوار، مهما كان صعباً، يظل أقل كلفة من الفوضى، وأكثر فعالية في تحصين الداخل وإفشال مخططات الخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة