أخبار و حوادث

ظاهرة الهجرة السرية بالأقاليم الجنوبية لم تكن معهودة

يعتبر طريق الهجرة الذي يربط ساحل غرب أفريقيا بجزر الكناري أحد أخطر الطرق بالعالم، بسبب قوة الرياح التي تجعل العبور محفوفا بالمخاطر نتيجة التقلبات الجوية التي تساهم في تعطيل المحركات مما سبب في الغرق أو العطش والجوع.

أكثر من 22 ألف مهاجر سري مروا من سواحل مدينة الطنطان

ظاهرة الهجرة السرية بالأقاليم الجنوبية لم تكن معهودة

لم تكن الهجرة السرية بالأقاليم الجنوبية للمملكة ظاهرة مألوفة، بل دخيلة، لكونها كانت السواحل الشمالية للمغرب وجهتها الرئيسية، إلا ان الظاهرة بدأت تتمطط بالسواحل الجنوبية، وبالضبط منتصف التسعينيات، فكانت الصدفة وراء هذه الظاهرة حين ساقت الرياح شاب، كان يمارس مهنة الصيد على عجلة مطاطية، إلى إحدى جزر الكناري، ليتبين للشاب فيما بعد أن المسافة بين سواحل طرفاية و جزيرة  “فويرتيفنتورا Fuerteventu” ليست ببعيدة ومن هنا بدأت فكرة الهجرة عبر السواحل الجنوبية.

فبالرغم من التحايل الذي حصل في مجال الهجرة السرية بالسواحل الشمالية، والذي أعتمد فيه على وسائل متطورة كالدراجات النارية البحرية أو الزوارق السريعة (…) بعد ما كان اللجوء إلى الإختباء وسط شاحنات نقل البضائع، بطرق متعددة، أو المغامرة عبر الزوارق الخشبية، هذه الطرق التي هاجر بها عشرات الآلاف وأغلبهم من القاصرين، تحولت بعد ذلك أنظار مافيا تهريب البشر إلى سواحل الأقاليم الجنوبية، لتبدأ  أساليب جلب الراغبين في الهجرة السرية من طرف هذه المافيا، إلى هذه السواحل نتيجة ضعف وسائل المراقبة، ما بين (1995-2008)، حيث كان الإعتماد على القوارب الخشبية أو قوارب الموت، لتهريب البشر في إتجاه جزر الكناري، الامر الذي سمح بتزايد أعداد المهاجرين بالسواحل الجنوبية، والتي سمح لها  بأن تكون محطة ونقطة عبور أخرى للمهاجرين القادمين من مختلف البلدان الإفريقية.

الظاهرة دفعت الموقع إلى التوجه للأقاليم الجنوبية، لاستجلاء جزء من واقع هذه الظاهرة و ظروف وملابسات وآثارها الاجتماعية والاقتصادية، فمن خلال البحث الميداني الذي قامت به الجريدة والذي كانت بدايته من جهة كلميم واد نون التي هي بدورها أصبحت محج لمئات المهاجرين الذين يرغبون في التوجه إلى جزر الكناري عبر سواحل الشاطئ الأبيض الذي يقع على بعد حوالي 65 كلم من مدينة كلميم، حيث إختارت مافيا تهريب البشر هذا الساحل نظرا لكثرة مسالكه، التي كان يعتقد مهربو البشر بأنها ستساعدهم على تنفيذ عملياتهم، لكن توقيف المئات من المهاجرين وتنقيلهم من طرف السلطات الأمنية دليل على أن مافيا الإتجار بالبشر غالبا ما تتلقى ضربات قاسية.

من القوارب الخشبية إلى المطاطية محلية الصنع

كان مهربو البشر بالسواحل الجنوبية، يعتمدون في أول امرهم على القوارب الخشبية، التي كانت تتم صناعتها بأماكن بعيدة عن أعيان المراقبة، فنشطت تجارة الخشب وبعض المهن الهامشية، بالإضافة إلى سيارات الدفع الرباعي لأشخاص ذاتيين التي كانت تتكفل بنقل المهاجرين بالمقابل، ناهيك عن ربان القارب الذي كانت مهمته هي إيصال المهاجرين وبأجر، لكن تضييق الخناق على هذا النوع من النقل (القوارب الخشبية)، دفع المهربون إلى تقليد صناعة الزوارق المطاطية ومحاولة تعليم قيادة الزورق غالبا لأحد المهاجرين، لتنتهي مهمة المهرب ومسؤوليته حين يقلع الزورق من الشاطئ الذي أعد للرحلة في إتجاه المجهول.     

الطنطان محطة للمهاجرين زمن جائحة كورونا

مدينة الطنطان، شهدت أكبر عملية إستقرار للمهاجرين السريين بها خلال جائحة كورونا، حيث إستقر بها أكثر من 2700 مهاجر والذين كان أغلبهم من غانا والكاميرون وساحل العاج ومالي والسنغال، موريتانيا، نيجيريا، بوركينا فاسو، الرأس الأخضر، زامبيا، ورغم ذلك فقد مساهم هؤلاء في تحريك عجلة الإقتصاد المحلي كرفع سومة الإيجار، وإنشاء مشاريع صغيرة مثل مطاعم وورشات غسل السيارات. ومع ذلك، كانت هذه الأنشطة عرضة للاستغلال من قبل شبكات تهريب البشر، التي استغلت المهاجرين، هذه الموجة من المهاجرين ألقت بظلالها على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمدينة، مما جعل السلطات المحلية، بتعاون مع المجتمع المدني، وخصوصا مؤسسة التعاون الوطني، تعمل على توفير مراكز إيواء لهؤلاء، لكنها واجهت تحديات كبيرة في التعامل مع هذا الوضع الطارئ، الذي تم التغلب عليه بفضل تأسيس حوار للثقة بين هؤلاء المهاجرين ومؤسسة التعاون الوطني التي عملت على تأسيس جمعيات لفائدة هؤلاء المهاجرين.

حضور الوازع الديني وممارسة العمل لتوفير مبلغ الرحلة

ومن خلال عملية التقصي التي باشرها الموقع بسواحل مدينة الطنطان التابعة لجهة كلميم، في إطار الهجرة السرية، والتي توصلت من خلالها إلى معطيات تفيد بأن آلاف المهاجرين مروا بهذه السواحل لركوب الأمواج في إتجاه جزر الكناري، كما ان مصادر الجريدة كشفت بأن هؤلاء المهاجرين كان بينهم حاملي الشهادات، من مختلف المستويات بالإضافة إلى عدد كبير من القاصرين، ناهيك أن هناك حالات إنجاب خلال رحلة البحث عن إقامة بأوروبا، بالإضافة إلى هذا أن الوازع الديني كان حاضرا بين صفوف هؤلاء المهاجرين حيث كانوا يؤدون دورهم الديني، رغم الإختلاف في معتقداتهم، وأعرافهم، كما رصدت مصادر الجريدة بين صفوف غالبية هؤلاء المهاجرين ممارستهم للعمل في عدة مجالات كالبناء، ميكانيك السيارات، كما قام بعضهم في إطلاع سكان مدينة الطنطان على طريقة طبخ وجبات الخاصة ببلدان بعضهم … ورغم ذلك، فان هذه الأعمال لم تكن إلا حافزا من أجل إدخار رصيد مالي لتسديد القيمة المالية التي يطلبها هربوا البشر لهؤلاء من أجل إيصالهم إلى الضفة الأخرى.

الموقع حصل من مصادرها الخاصة على رقم تقريبي لعدد المهاجرين السريين الذين تم إيقافهم بسواحل الوطية بالطانطان التي تمتد على مئات الكلومترات في إتجاه النفوذ الترابي لعمالة طرفاية، والذي ناهز أكثر من 22 ألف مهاجر سري ينحدرون من دول جنوب الصحراء والساحل خلال الأربع سنوات الأخيرة، هؤلاء قامت السلطات الأمنية بتنقيلهم.

إبعاد أزيد من 10 آلاف مرشح للهجرة من جهة العيون

تمكن الموقع بفضوله الإعلامي الذي لم ينضب، أن يحصل على مصدر خاص كشف لها بأن سواحل جهة العيون شهدت خلال السنوات الأخيرة “تسونامي” من المهاجرين حيث إستقروا بالعديد من الأحياء بالمدينة، لكن السلطات باشرت تنقيلهم  مما ساهم في خفض معدلات الهجرة الى إسبانيا خصوصا خلال سنة 2023، بفضل التطول الذي حصل على مستوى أنظمة المراقبة  بالسواحل وتشديد الحملات الأمنية على شبكات التهريب والاتجار بالبشر.

وحسب نفس المصدر فقد قامت السلطات بإبعاد أكثر من 10 آلاف شخص مرشح للهجرة، 95 % منهم ينحدرون من أفريقيا جنوب الصحراء والباقي من المغرب، كما تفكيك أزيد من 15 شبكة تنشط في مجال الاتجار بالبشر، وتوقيف 28 شخصا مرتبطا بهذه الأعمال والتحقيق مع 15 اخرين يشتبه

الكركرات قلصت تكاليف السفر لراغبين في الهجرة دول معفية من تأشيرة الدخول

كان المعبر الحدودي الكركرات، الذي يقع جنوب مدينة الداخلة بحوالي 400 كلم مخلصا للراغبين في الهجرة السرية وخصوصا المنحدرين من الدول المعفية من تأشيرة دول إلى الأراضي المغربية، من تكاليف تذكرة السفر من بلدانهم الأصلية إلى المغرب عبر المجال الجوي، وفي هذا السياق تمكن الموقع من الحصول على إحصائيات شبه رسمية من مصادرها الخاصة بجهة الداخلة التي تعد من بين النقط القريبة من دول جنوب الصحراء، الامر الذي يسهل تدفق أفواج المهاجرين، إلا أن الجنسيات المطالبة بتأشيرة دخول إلى التراب المغربي تختار السير شمالا عبر قوارب تنطلق من الشمال الموريتاني “سواحل أنواذيبو” القريبة من السواحل الجنوبية للمملكة، في إتجاه جزر الكناري لكن غالبا ما ينتهي بهم المطاف بسواحل جهة الداخلة، حيث قامت مصالح الدرك الملكي خلال  سنة 2024 والشهر الرابع من سنة 2025 بحوالي 91 عملية على مستوى جهة الداخلة تم خلالها توقيف 5927 مهاجر من مختلف الجنسيات، بالإضافة إلى حجز  85  زورق 122 محرك .

عاصفة الهجرة السرية بجهة الداخلة ستتسبب في مطبات إجتماعية

وحسب بعض مصادر الموقع فإن غالبية المهجرين المنتمون إلى دول جنوب الصحراء، والذين إختاروا الإستقرار بجهة الداخلة، بدأوا يتأقلمون مع الوضع وذلك من خلال تواجدهم بالعديد من الوحدات الصناعية المرتبطة بقطاع الصيد والفلاحة ثم السياحة، وحسب مصادر للجريدة فإن غياب أي معالجة للوضعية ستأزم وضعية البطالة بالجهة التي تعاني أصلا من ارتفاع نسبتها.

كما أن مصادرنا قد نبهت إلى وضع بالغ الأهمية من حيث تواجد العديد من المهاجرين يشتغل في بعض المهن الصغيرة كالعاملين في مجال الإستقبال والنوادل بالوحدات الفندقية، وعمال الطوابق، بالإضافة إلى أصحاب البستنة، وإصلاح الكهرباء والماء، هذا النوع من المهن يجب أن تحظى بإهتمام كبير من طرف المسؤول كتوفير التكوين لفائدة الراغبين في الإلتحاق بهذا النوع من المهن الذي أصبح ضروري ومطلوب على مستوى الواحدة الفندقية من أجل محاربة البطالة بين صفوف أوساط الشباب بهذه الجهة.

السير نحو الجنوب وجهة مئات المغاربة

وحسب مصادرنا فإن العديد من الشباب، بدأ يشد الرحال نحو الجنوب وبالضبط إلى العاصمة الاقتصادية لموريتانيا “أنواذيبو” من أجل الهجرة إلى إحدى جزر الكناري، ذات المصادر عللت  سبب سير العشرات من الشباب نحو أقصى الجنوب، يعود بالأساس إلى تسعيرة الرحلة التي فرضتها مافيا تهريب البشر على الحالمين بالهجرة والتي بلغت إلى 30 ألف درهم، بينما في الجارة موريتانيا فإن السعر لا يتجاوز 14 ألف و15 ألف درهم، هذه التسعيرة التي يبدو أنها حفزت عشرات الشباب، وذلك عبر مهربي البشر الذين لهم شبكة تمتد خيوطها شرقا وغربا رغم الضربات التي يتلقونها من طرف السلطات المغربية أو الموريتانية، التي أوقفت بحر الأسبوع الماضي أحد الضالعين في الإتجار في البشير بنواذيبو و هو يحمل الجنسية المغربية ويدعى “الحاج المغربي”.

المغرب ومكافحة الهجرة السرية

ونظرا لتنامي الظاهرة، التي ساهم فيها محيط إقليمي مليء بالقلاقل دفعت الألاف من النساء والرجال والقاصرين من دول غرب إفريقيا إلى ركوب مغامرة الهجرة نحو أوروبا مشكلة بذلك حوالي 60 % من الظاهرة، بينما نجد حوالي 11% بالدول المغاربية، في الوقت ذاته هناك 9 % من دول شرق ووسط إفريقيا، ليجد المغرب نفسه بوابة لمرور هؤلاء المهاجرين، ليفرض عليه الواقع التصدي للظاهرة، و تشير إحصائيات وزارة الداخلية بالمغرب التي تفيد بأنها قامت بإحباط 78 ألفا و685 محاولة للهجرة السرية سنة 2024، وتفكيك حوالي 332 شبكة متخصصة في ذات المجال بفضل أنظمة مراقبة الحدود، إلا ان مافيات تهريب البشر تواصل استغلال الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمهاجرين.

مياه المحيط الأطلسي مقبرة لألاف المهاجرين والعدد غير محدد

وحسب التحقيق الذي قامت به الأحداث المغربية، لم تتمكن من الحصول على أرقام دقيقة حول عدد المهاجرين الذين توفوا بالمحيط الأطلسي، إلا منظمة “ووكينغ بوردرز” المعنية بحقوق المهاجرين، قالت بأن نحو 5 آلاف مهاجر لقوا حتفهم في المحيط الأطلسي أثناء محاولتهم الوصول إلى جزر الكناري خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2024، وهي حصيلة لم يسبق لها مثيل.

إلا أن وزارة الداخلية الإسبانية أشارت في بيانات لها أن عدد الوافدين إلى جزر الكناري في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2024 قد تضاعف 5 مرات مقارنة بالفترة نفسها من عام 2023 ليصل إلى أكثر من 16 ألفا و 500.

دول بإفريقيا طالبت فرض التأشيرة على رعاياها

وفي ظل تنامي الهجرة السرية، قامت بعض الدول من وبيناها دولة ساحل العاج بفرض التأشيرة على مواطنيها الراغبين في الولوج إلى أراضي المغرب، السلطات الإيفوارية، عللت القرار بأن شبكات الهجرة الجنسية الإيفوارية تستغل من أجل المرور نحو المغرب باعتباره نقطة عبور، ومن ثم الهجرة نحو أوروبا، لأنها رصدت شبكات للهجرة السرية تنشط في تهجير الشباب الإيفواري انطلاقا من المغرب.

الهجرة والسبل الممكنة للحد منها

أصبحت الهجرة السرية تطرح عدة تحديات تقتضي استجابة شاملة تتناول أبعادها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. مع معالجة البطالة والفقر اللذين يعدان من الأسباب المرتبطة بالظاهرة بالإضافة إلى تحسين ظروف العيش في البلدان المصدرة للهجرة تظل محورية في الحد من الظاهرة. في الوقت نفسه، من الضروري تعزيز التعاون بين الدول وتحقيق حلول مستدامة تضمن حقوق المهاجرين وتحميهم من الاستغلال.

الحلول والآفاق

أغلب الخبراء يقترحون عدة حلول، كتقوية مراقبة الحدود للحد من المهاجرين، وكذلك العمل على مساعدة الحكومات الأفريقية على تحسين أدوات التشغيل لإمتصاص البطالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة