أخبار و حوادث

مخاطر النقاش الدائر حول إصلاح مدونة الأسرة


بقلم: عبد الهادي مزراري


بعد الاستقبال الذي خص به جلالة الملك أعضاء اللجنة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، أواخر دجنبر الماضي ، وجه جلالته من جديد الأمر إلى المجلس العلمي الأعلى بمواصلة التفكير واعتماد الاجتهاد البناء في موضوع الأسرة.
خلفت الاقتراحات موضوع الإصلاح، التي أعلن عنها ردود افعال متباينة بين فريق مؤيد وفريق معارض.
بالنسبة للفريق المؤيد يبدو أنه الأكثر سيطرة في وسائل الإعلام الرسمية، وهو جناح يدعو إلى توسيع صلاحيات المرأة (الزوجة والأم) في مؤسسة الأسرة، مقابل تقييد الرجل (الزوج والأب) بشروط والتزامات إضافية.
يدعم الفريق المؤيد لمشروع الإصلاحات “دعاة المعاصرة”، وتناصره فعاليات نسائية معظمهن، كما يصنفهن منتقدوا هذا الفريق يتضامن مع نساء فشلن في حياتهن الزوجية، بعضهن مطلقات، أو أمهات عازبات أو مناضلات داعيات للحرية الفردية.
كما يدعم الفريق المؤيد لمشروع الإصلاحات فعاليات سياسية وثقافية لها ارتباطات بالحكومة الحالية، وبعض الأحزاب السياسية اليسارية، وبعض منظمات المجتمع المدني.
يقول أنصار هذا الفريق إن موقفهم مدعوم بإرادة عاهل البلاد، وأن الملك يريد مزيدا من الحقوق للمرأة.
من جهة ثانية يرد الفريق المعارض للإصلاحات المقترحة على ادعاء أنصار المشروع الإصلاحي بأن الملك حسم الأمر وسبق أن قطع الشك باليقين عندما أكد بأنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا.
ويرى هذا الفريق أن المضي في طريق التعديلات الخاصة بقانون تنظيم الأسرة بات بهدم قواعد مسطرة في الشريعة الإسلامية، ويتطاول على نصوص قرآنية تتعلق بالعصمة والميراث وشروط عقد الزواج وغيرها من الأمور الأخرى الواردة في القرآن والسنة.
ويبدي الفريق المعارض امتعاضه من الإصلاحات المقترحة ويعتبر نفسه محروما من استعمال وسائل الإعلام الرسمية للتعبير عن موقفه وإبراز أفكاره.
مقابل ذلك يحاول بعض أنصار الفريق المعارض إيصال صوتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشددين على خطورة مشروع الإصلاحات وما يمكن أن يترتب عنه من اختلال في المجتمع.
ويتهم الفريق المعارض للاصلاحات المقترحة الأئمة وبعض العلماء بالعجز عن الدفاع عن الثوابت الإسلامية في بناء الأسرة في مجتمع مسلم.
ويلقون باللائمة على بعض الأئمة والعلماء الذين رهنوا أصواتهم لصالح الفريق المؤيد للإصلاحات المقترحة كما سطرتها الهيأة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، ويدعون أنهم يفعلون ذلك من باب الاجتهاد والانفتاح على العصر.
ويصف الفريق المعارض هؤلاء الأئمة والعلماء بالخضوع للحكومة وبعض الأحزاب السياسية ولمنظمات لها ارتباطات بأجندة خارجية.
ويعزز المنتقدون لمشروع الإصلاحات موقفهم المعارض بما آلت إليه مدونة الأسرة، معللين ذلك بتجربة عمرها 20 عاما من تطبيق مدونة الأسرة، التي كان الهدف منها إنصاف المرأة في شخص الزوجة والأم، وحماية الأطفال في شخص الأولاد والبنات من الضياع والتسكع في الشوارع.
ويرى الفريق المعارض أنه بعد تطبيق مدونة الأسرة، خلال عقدين من الزمن اتضح أن الخلل الذي كان ينخر المجتمع ما زال قائما، بل زاد حدة وأضيفت إليه حالات مرضية أخرى في المجتمع وفي مقدمتها ارتفاع نسبة الطلاق، وتدني نسبة الزواج، وارتفاع عدد الأحكام بالحبس في حق الآباء والازواج من دون جذوى.
مقابل ذلك، يرى المعارضون لمشروع الإصلاحات الجديدة أن مدونة الأحوال الشخصية في طبعتها قبل 20 عاما قد ما تزال صالحة لو أن القضاء كان فاعلا. ويفسرون ذلك بالقول إننا فكرنا في تغيير العجلات بينما العطب كان في المحرك.
إن المسؤولية تقع على المؤسسة القضائية في تنفيذ الأحكام وإيصال الحقوق إلى أصحابها وصيانتها. ولو كانت لدينا أفضل التشريعات في أي مجال من مجالات الحياة ولم يكن لدينا قضاء رصين فإن القوانين تصبح عبثية.
وحسب آراء متداولة فإن مسألة تغيير قوانين تنظيم العلاقات داخل الأسرة في مجتمع مسلم، هي الأكثر تعقيدا من أي إصلاحات قانونية في أي مجتمع آخر، لأنها مستمدة من شرع الله في وسط لا يفصل الدين عن المجتمع.
ويعتبر قسم من الفقهاء أن المساس بقاعدة من القواعد الشرعية – باسم الاجتهاد – يؤدي إلى هدم الشرع، وبالتالي يفصل الشريعة عن مقاصدها. فالدين يؤخذ كله ولا بعضه، وإذا أخذ بعضه وترك بعضه سقط كله.
في هذه الحالة يحمل الفقهاء “المشرع المجتهد” مسؤولية العواقب التي تتتج عن تشريعه، ولا يعتبرونه تشريعا منزلا وإنما هي قانونا وضعيا.
إن تأمين الأسرة في مجتمع يؤمن بمعتقدات وقيم دينية مؤطرة بنصوص تشريع إلهي يفرض مراعاة الخصوصية الدينية، لأن مجرد تجاهلها أو محاولة المساس بها أو بإحدى قواعدها يتسبب في اختلال المجتمع وتعريض أمنه الروحي للخطر.
إن الإنسان في المجتمع المسلم يسلم مبدئيا بشرعية القواعد والنصوص التي يؤمن بها، سواء كان ذكرا أو أنثى ويتقبل كل منها الامتثال لمضمون التشريع، وهنا يكمن سر استقرار المجتمع.
بخلاف ذلك، إذا غرس في وعي الفرد كان ذكرا أو أنثى فكرة التمرد على قاعدة شرعية سواء بدعوى التأويل أو الاجتهاد، فإنه يفتح باب الجحيم على احتمالات لا قبل له بها وعليه أن يتحمل عواقب التغيير ونتائجه، التي لا يمكن السيطرة عليها.
بخلاف الإنسان الذي يشرع من أجل تدارك الأخطاء ودفع المخاطر، يكون الله قد شرع أمرا لكي لا تكون هناك أخطاء، وفي حال حدوثها تكون هناك عقوبات.
عندما يحل الله أمرا ويحرم أمرا، إلا وفي ذلك مصلحة للمجتمع وإن كان ذلك على حساب الفرد، كان ذكرا أو كانت أنثى.
كمثال على ذلك، حلل الزواج وشرع التعدد وحدده، وحرم الزنا وشرع العقوبة.
إن الله عندما يشرع أمرا يفعل ذلك متجاوزا الاعتبارات الفردانية من الأفكار والآراء والأهواء والمواقف البشرية التي تخدم فئة على حساب فئة أو جنس على حساب جنس. ولو ترك الله للناس الأمر في كثير من القضايا لاستباح بعضهم حقوق بعض وهتكوا الأعراض ونسفوا القيم.
ثمة آفات تنخر المجتمع الأسري في دول الغرب في ظل تشريعات وضعية مشابهة نوعا ما لتلك التي تحملها الإصلاحات المرتقبة، وقد انتهت إلى تدهور الدور المعنوي والمادي للأب وللأم وللأسرة برمتها، وانتشر زنا المحارم وساد نظام تعدد العاشقات في إطار العلاقات الرضائية، وتقطعت أوصال العلاقات الأسرية بين الأصول والفروع.
لا يستبعد إطلاقا أن يتعامل المجتمع المغربي في المنظور القريب مع الإصلاحات المزمع تطبيقها بالعصيان النفسي والتمرد الاجتماعي، ونشهد المزيد من العزوف عن الزواج، وستكون لدينا جيوش من الإناث العوانس والذكور الكسالى، وهروب الشباب إلى تعدد العلاقات العابرة في إطار الزنا، وتبدو كل العوامل مساعدة على ذلك.
قد يبدو من السهل ابتكار تشريعات أو حتى استنساخها من قوانين مجتمعات أخرى لحل مشاكل عالقة، بدل أن ننكب على معالجة تلك المشاكل من جذورها. بينما الأمر الصائب هو أن نواجه تلك المشاكل بحلول جذرية.
إذا كنا نريد حماية الأسرة بحماية الزوجة والأم والأطفال، كان يكفي أن نلزم الرجل بالقوامة كما ألزمه الله بها، بدل أن نقوم بتجريده من مهام ومسؤوليات كانت منوطة به كأب أو كزوج أو هما معا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة