أخبار و حوادث

“الشتاء الأوروبي” بعد “الربيع العربي” إنتقام الطبيعة من السياسة



بقلم عبد الهادي مزراري


تعيش أوروبا هذه الأيام وضعا مأساويا غير مسبوق، بسبب تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا، وفيما تنتاب الشعوب الأوروبية حيرة بشأن المأزق الذي توجد فيه، لا تملك القيادات الأوروبية أي خطة لمواجهات التحديات المطروحة في بعدها الاقتصادي والاجتماعي وكذا الأمني.
يتحدث الجميع عن الشتاء المقبل بوصفه كابوسا لن يجد فيه الأوروبيون ما يستدفئون به، ولا ما يجعل مصانعهم تشتغل، ولا سياراتهم تتحرك. فالاحتجاجات في كل مكان تطالب برفع الأجور وتحسين ظروف العيش، وبعضها رفع شعارات ضد القايادات الحاكمة، بسبب موقفها من الحرب في أوكرانيا.
ما هو مستقبل القارة العجوز في ظل ما يحدث من تطورات تجاوزت سقف الاتحاد الأوروبي وتخطت قدرة حلف الناتو؟
قبل الجواب على هذا السؤال، يستحسن التذكير بما وقع في البلدان العربية قبل عقد من الزمن، عندما اندلع ما يسمى بالربيع العربي.
في عام 2011، انطلقت احتجاجات في عدد من البلدان العربية تطالب بتحسين الأوضاع الاجتماعية والمادية تصدت أنظمة الحكم إليها باستعمال القوة، فتطورت إلى ثورات رفعت شعار “يسقط النظام”.
تفاقم الوضع واشتبكت قوات الأمن مع المواطنين، سالت دماء كثيرة، واندلعت حروب أهلية أطلق عليها الإعلام الغربي ومعه قسم مهم من الاعلام العربي ثورات “الرببع العربي”.
ما زالت نيران ذلك الربيع ملتهبة في سوريا واليمن وليبيا، ناهيك عن الانهيار الكبير الذي احدثه في مصر وتونس والسودان، ليتبين أن الأمر لم يكن يتعلق بثورات شعبية لها قيادات سياسية، فيما كانت فوضى مخطط لها لقلب الأوضاع في أجزاء كبيرة من البلاد العربية.
طبعا، كان وقود هذه الفوضى الأوضاع المزرية التي تسببت فيها انظمة تلك الدول، واستغلتها الآلة الجهنمية في الغرب لقلب هذه البلدان رأسا على عقب، حتى أن حلف الناتو تدخل عسكريا وبشكل مباشر بقيادة فرنسا في تدمير نظام معمر القدافي في ليبيا.
لم تكن ثورات بريئة من رحم الشعوب العربية بقدر ما كانت عملا مخططا له سبقته حملة دعائية ضخمة تناولت شخصيات الزعماء المراد الإطاحة بهم من خلال تسريبات وكيليكس، في شتاء 2010، التي تضمنت رهاب القذافي من ركوب الطائرة، وحساب بنكي باسم محمد حسني مبارك من 70 مليار دولار، وثروة زوحة زين العابدين، التي فاقت حجم خزينة الدولة…
كانت معلومات مدروسة بدقة وبمثابة مفتاح لتقزيم وتجريم حكام في نظر شعوبهم من أجل تأجيج الغضب الشعبي، وتسهيل عملية الإطاحة بهم.
صفق الأوروبيون والغرب بشكل عام لما حدث في جزء كبير من العالم العربي، وبطريقة لا تخلو من وخزة الضمير يقول الاوروبيون “نحن دعمنا الديموقراطية في تلك البلدان”.
في خضم ذلك الدعم واجه الغرب تدخل روسيا في سوريا للدفاع عن نظام بشار الاسد، وهو الأمر الذي لم ينتبه إليه الغرب بشكل جيد، ولم يعطه أحد حقه في التحليل، واعتبر الغربيون الساحة السورية مجرد ميدان تقليدي لروسيا، وهو لم يكن كذلك.
في الحرب السورية وضعت موسكو اللبنة الأولى في النظام الإقليمي الجديد، أخرجت تركيا من دائرة الناتو بطريقة ناعمة دون ان يشعر بها أحد.
في الحرب السورية اقتربت القوات الروسية من إسرائيل ومنحت لنفسها دور الحارس الأمني، نشرت اسلحتها المتطورة، وعززت وجودها في شرق البحر المتوسط انطلاقا من القاعدة البحرية في طرطوس، وبعبارة أخرى، كما قد تكون عامل للحفاظ على أمن إسرائيل فهي سيف دو حدين.
بالنسبة للأوروبين والغرب ومعهم قسم مهم من الدول العربية، الذين انخرطوا في دعم الجماعات المقاتلة في سوريا ضد نظام بشار الاسد، استسلموا للأمر الواقع في نهاية المطاف، وبدأ التفكير في إعادة تأهيل النظام السوري والتطبيع معه.
من هنا، تأكد الرئيس الروسي فلادمير بوتين بأن عليه أن ينقل الجزء الآخر من المعركة إلى قلب أوروبا، وتحديدا في أوكرانيا.
قد تبدو الأمور غير متصلة في ما ببنها بين سوريا وأوكرانيا، ولكن مع قليل من التفكير يتبين أن المعركة بالنسبة لبوتين بدأت في العام 2011، وانطلاقا من سوريا، وانه من خلال تلك الحرب حصل على الأدوات والعناصر التي تدعمه اليوم في حربه في أوكرانيا حتى أنه نقل الجنرال سيرجي سوروفيكين قائد العمليات الروسبة في سوريا إلى أوكرانيا وكلفه بمهمة الدفاع عن المناطق الأربع التي ضمها إلى الأراضي الروسية.
في غضون ذلك، وبخلاف ما اعتقدت الدول الغربية ان الرئيس الروسي يريد حربا خاطفة وقصيرة الأمد، فهو عكس ذلك تماما، يريدها حربا تستقر على وضع معين ولأطول مدة ممكنة، حتى يصل الأمر بالدول الاوروبية إلى الحضيض.
هناك قاعدة تاريخية تقول إن “روسيا تربح حروبها في الشتاء”، ولأنها تستعين بالطبيعة يسهل عليها هزم عدوها، وقد هزمت القوات النازية في الحرب العالمية الثانية بفضل قساوة الطقس الروسي، كما هزمت قبله جيش نابوليون الذي غرق جنوده وأحصنتهم في الثلوج الروسية.
اليوم، تواجه أوروبا وفي عقر دارها بسبب الحرب الروسية ظروفا صعبة وتنتظر شتاء قد يقلب كل الموازين، وصل الأمر بالممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب برويبل إلى التحدث بمنطق جده الأكبر عند بداية الغزو الأوروبي للشعوب الافريقية والامريكية اللاتينية والاسوية، فصور أوروبا بالحديقة المزهرة وبقية العالم مجرد أدغال، ودعا الأوروبيين للهجوم على تلك الادغال.
يكشف هذا التصريح الحالة النفسية المتردية للمسؤول الاوروبي الكبير، الذي يرى كغيره من الأوروبين أن الزمن دار على أوروبا وانها على وشك فقدان السيطرة.
فعلا سيكون شتاء صعبا على أوروبا، مزيد من المظاهرات والاحتجاجات، وتوقف المصانع، ونقص في الطاقة، فعلا لا يسهل توقع ما سيحدث، بسبب جاهزية كل السيناريوهات الكارثية بما فيها احتمال نشوب حرب نووية في قلب القارة العجوز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة