أخبار و حوادث

ترامب .. هل يلعب بالنار ؟

بقلم : عبد الهادي مزراري

أثارت عودته إلى البيت الأبيض في 20 من يناير الماضي عاصفة في العديد من عواصم الدول، انطلقت ولم تهدأ بعد. ليس فقط لأنه رئيس أقوى دولة في العالم على الإطلاق، أو ربما كانت أقوى دولة، وإنما بسبب شخصيته الغريبة المثيرة للكثير من الانطبعات والردود، فلا يوجد شخص ينظر ويستمع إلى دونالد ترامب إلا يشعر بضرورة قول شيء ما بشأنه، فهو يولد باستمرار مشاعر متضاربة بين السخط والغضب والتأييد والتفهم والانتقاد.
في هذا المقال لن أسعى لوضع تحليل نفسي للرجل يجيب عن أسئلة قسم كبير من المتتبعين على اختلاف مستوياتهم ومسؤولياتهم، هل ترامب شخص واقعي؟ هل هو جدي؟ هل هو إنسان مصاب بجنون العظمة؟ هل هو رجل اعمال صادق أكثر من رجل يمارس السياسة بمنطق الربح؟
ثمة مفتاح مناسب لفهم شخصية ترامب يجب وضعه في فتحة القفل المناسب لمعرفة ماهو الهدف الذي يريد تحقيقه. فمن خلال الأهداف يسهل معرفة معدن أصحابها.
يرفع ترامب شعار “أمريكا اولا”، وهو الشعار ذاته الذي سبق أن رفعه قادة كبار في التاريخ كانوا لا يرون إلا أنفسهم من خلال بلدانهم في أوج القوة والعظمة.
مثل هؤلاء القادة يشتركون في صفاة محددة تتمحور حول تقديس الأمة (العرق)، والإيمان بالقوة، ويكنون الاحترام للدين وقيم المجتمع. وفي المقابل يشنون حروبا بلا هوادة ضد كل ما يهدد مصالحهم وقوتهم أو يستهدف عرقهم البشري.
من غريب الصدف، أن دونالد ترامب تردد على البيت الأبيض في وقت لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية أقوى دولة في العالم، وإنما اصبحت تنافسها على حلبة السباق دولة الصين العظيمة، التي كادت تتفوق على أمريكا في البر والبحر والجو وحتى الفضاء، وصار لهذه الدولة ذات المليار ونصف المليار من البشر إمكانيات اقتصادية وتكنولوجية هائلة فرضت من خلالها سيطرتها على أسواق معظم دول الكوكب.
من غريب الصدف كذلك، أن روسيا التي استسلمت لأمريكا في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، وتركت الميدان في الشرق مرتعا للنفوذ الأمريكي بلا منازع، استعادت عافيتها بقيادة الرئيس فلادمير بوتين، الذي بدل جهدا كبيرا في إعادة بناء القوة العسكرية وفرض الوجود الروسي من جديد بالقوة.
ككل قائد بارع متضلع في فهم ميكانيزمات القوة والضعف، يشكل دونالد ترامب نموذجا مثاليا يجسد رؤية قسم كبير من الأمريكيين يفهم بأن أمريكا في خطر، وأنه يتعين اتخاذ خطوات عاجلة لاستعادة القيادة قبل خروجها عن السيطرة.
على المستوى الداخلي، يرى ترامب بأن أمريكا يجب أن تكون للأمريكيين، وهذا أمر قد تعتريه خطورة كبيرة، لأن أمريكا ترامب ليست هي ألمانيا “هتلر”، ولا فرنسا “نابلون”، فأمريكا دولة متعددة الاعراق والديانات وقوتها بنيت على اساس هذا التنوع.
رغم ذلك يريد ترامب أمريكا خالية من مهاجرين غير شرعيين، وبلدا خاليا من المثليين، وبلدا خاليا من المفسدين الذين ينهبون ثروات الدولة، وبلدا خاليا من الشياطين الذين يتفاخرون بازدراء الدين المسيحي وتهجين الإنسان والمجتمع.
من أجل ذلك وقع ترامب أوامر تنفيذية عاجلة وكلف أشخاصا لهم القدرة على اجتثات ما يسميهم “بالسرطان” في أمريكا. لكن السؤال المطروح، هل سينجح ترامب في تحقيق ذلك؟ وإلى أي حد يمكنه تغيير أمريكا على ما هي عليه؟
هنا يبدو السيد ترامب كمن يلعب بالنار حيث وضع نفسه في مواجعة مصالح لوبيات ومنظمات لا تقل خطورة عن المهاجرين غير الشرعيين.
على الصعيد الخارجي، لا تقل زوبعة ترامب العالمية عن تلك التي أحدثها في الداخل، وبما أن قوة أمريكا مرتبطة بما هو داخل وخارجي، كانت أول دعواته مثيرة للسخط الدولي، ضم كندا وغريلاند، واستعادة قناة بنما، وتغيير اسم خليج المكسيك وجعله أمريكيا.
عزز ترامب هذه الدعوات التي باتت في حكم سياسته أمرا لا بد من تحقيقه. بفرض رسومات جمروكية عالية على واردات دول كثيرة في مقدمتها الصين والمكسيك والاتحاد الاوروبي، مطالبا دول أخرى تملك ثروات هائلة وتحظى بدعم أمريكي أن ترفع حصصها في الاستثمار داخل الولايات المتحدة.
استقبل العالم القررات الترامبية بانتقادات كبيرة، واتسمت مواقف الدول بالتردد بين الخضوع والرفض، معظم هذه الدول “صديقة” للولايات المتحدة، حيث بدا ترامب مثل من يطلق النار مع بداية المعركة على الأصدقاء قبل الأعداء.
بخصوص أعداء الولايات المتحدة، للسيد ترامب طريقة أخرى في التعامل معهم، فهو يرى كوريا الشمالية أقل ضررا على الاقتصاد الأمريكي من كوريا الجنوبية. ويرى روسيا أفضل في الاستفادة اقتصاديا من أوروبا، التي يتهمها ببناء ثرواتها تحت الجناح الامريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية دون أن تدفع أي مقابل.
من أجل ذلك، لم يمض شهر واحد على تنصيبه حتى اتصل بالرئيس الروسي فلادمير بوتين وسلم له أوكرانيا في مكالمة هاتفية، وعاد للاتصال بالرئيس الأوكراني فلودومير زلينسكي وقال له “انس أمر حدود أوكرانيا قبل 2014″، ثم عاد وارسل وزير الخزانة الامريكي إلى كييف يطالبها بتسديد ديونها الناتجة عن الحرب مع روسيا.
وبما أنه ليس لدى أوكرانيا ما تسدد به حزمات المليارات من الدولارات التي حصلت عليها في شكل أسلحة، يطالبها ترامب بتسليم مناجمها للدولة الأمريكية.
أغضب قرار ترامب الأوروبيين ونددوا بما وصفوه صفقة بين ترامب وبوتين خلف ظهورهم، لكن ترامب لا يأبه إذ استمر في تنفيذ مخططه بوقف الدعم الامريكي عن كثير من الهيآت والمنظمات التي يستفيد منها الأوروبيون وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، واتفاقية المناخ، وطالب دول الناتو برفع حصتها المالية في الحلف، كما أوقف العمل بوكالة التنمية الأمريكية، وانسحب من الجنائية الدولية.
لا يقوم ترامب بهذه الخطوات دون أن يكون لديه علم بالمكان الذي يريد الوصول إليه، يجب أن يكون مقابل ما حصل عليه من بوتين بعدما سلم له رأس زلينسكي، مثلما أن يشترط عليه فك الارتباط بين روسيا والصين، أو تسليم مواقع نفوذ روسي لأمريكا في إفريقيا، أو إعادة تشغيل أنابيب الغاز الروسية في أوروبا بشروط أمريكية.
هناك أمور جيدة كثيرة يريد ترامب أن يقوم بها مع بوتين، وهذا مؤشر قوي على رغبة ترامب في إعادة تشكيل خارطة سياسية جديدة للعالم بمشاركة القوى الثلاث الكبرى، أمريكا وروسبا والصين، واستبعاد أوروبا.
“أعداء أمريكأ قد يصبحون أصدقاءها” مثل كوريا الشمالية ولم لا حتى الصين إذا توفرت الشروط المريحة لكلا الطرفين، فالسيد ترامب الذي يسعى لضم كندا وغريلاند ويسمح لبوتين بضم أجزاء كبيرة من أوكرانيا، لن يمنع الصين من ابتلاع تايوان في صفقة جيدة.
إنه شخص لا يؤمن بالمستحيل ويعتبر الصفقات مفاتيح لحل كل المشاكل، وهو الأمر الذي سلكه منذ البداية في التعامل مع مشكل الشرق الأوسط، عندما طرح مشروع صفقة القرن إبان ولايته الرئاسية السابقة (2017- 2021).
لكن مع اختلاف البضاعة يختلف نوع الصفقة، فمشكل الشرق الاوسط ليس سياسيا أو اقتصاديا وإنما هو مشكل يستمد جذوره من عقيدتين مختلفتين، العقيدة الإسلامية ويمثلها سكان الأرض الفلسطينيون ومعهم مسبحيون، والعقيدة اليهودية ويمثلها المستوطنون الذين تجسدهم دولة إسرائيل.
فشل ترامب خلال ولايته السابقة في تمرير صفقة القرن التي رفضها الفلسطينيون والدول العربية.
لكن ترامب حصل على مفتاح سحري عندما تمكن من الضغط على نتنياهو بوقف الحرب في غزة ولبنان، وهو الأمر الذي استجاب له نتنياهو على أساس التزام ترامب بإخلاء قطاع غزة من كل أهلها.
من جهته، فجر ترامب خلال زيارة نتنياهو إليه قنبلة هائلة، وقال إنه “يريد شراء قطاع غزة وسيصبح أرضا أمريكية”، وهو ما بدا أمرا مستهجنا حتى من قبل الإسرائليين أنفسهم.
بغض النظر عن جدية تصريح ترامب بشأن امتلاك القطاع الفلسطيني وإمكانية تحقيق ذلك، فإن الرئيس ترامب يعتبر مشكلة الشرق الاوسط أمرا ثانويا بالنسبة لما تواجهه أمريكا في ظل التحولات العالمية التي جرت بلاده إلى المقعد الخلفي في كثير من الأمور الاقتصادية والتكنلوجية ودون شك حتى العسكرية.
بهذا الصدد نشرت صحيفة إسرائيلية تقريرا تعتبر ترامب أخطر رئيس أمريكي على مصيرها في الشرق الأوسط حيث لا يبدو من مقترحات ترامب الخيالية ومن دعمه المطلق لنتنياهو سوى أمرا واحدا، وهو جعل إسرائبل تصطدم بالحائط.
ليس من مشكلة لدى ترامب أكثر خطورة من العبث مع الإسرائليين، عندما ذهب نتنياهو لزيارته في واشنطن قدم له هدية من قطعتين إحداهما مجسم لجهاز “بيجر” مصنوع من الذهب وآخر جهاز حقيقي، باعتباره أداة نفذت بواسطتها الأجهزة الامنية الإسرائلية أكبر عمليات القتل ضد أعضاء حزب الله اللبناني.
عندما سأل صحافي ترامب عن شعوره بهدية نتنياهو قال “كانت عملية تاريخية”.
طابت أوقاتكم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة